أحوال المثقف… الثقافة هي معرفة أرقى الأقوال وأسمى الأفكار في العالم

إقبال الشايب غانم *
لا شكّ أن الحركة الثقافية في لبنان تشهد حيوية لافتة وتطورًا نوعيًا وجهدًا مشكورًا. والدليل هو لقاؤنا اليوم ، في اطار معرض الكتاب في الرابطة الثقافية طرابلس. في جناح ودينامو الحيوية الثقافية الأستاذة المهندسة والكاتبة الغالية ميراي شحاده تحت لواء منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحادة الثقافي…
هذا يبشر بأننا نسير على الطريق الصحيح. لكن السؤال الملح هنا، أين دور المثقف المسؤول والحقيقي من كل هذا الغليان الذي يجري عالميًا وفي المنطقة عمومًا .. وفي لبنان خصوصًا؟
هل تنحصر مهمة المثقفين والكتّاب في حضور التجمعات الإنشادية والمشاركة في التواقيع واستعراض الأجنحة في معارض الكتب. واللقاءات النخبوية هل تنحصر في قراءة بعض الكتب وتأمل بعض اللوحات .. وكتابة بعض النصوص الانطباعية؟!
النخبة المثقفة “أو الانتلجنسيا” عرفت على الشكل التالي : هي فئة من الأشخاص المتعلمين المنخرطين في الأعمال الذهنية المعقدة التي لها دور نقدي توجيهي وقيادي في تشكيل توجهات وتراث وتاريخ وثقافة وسياسة مجتمعهم ، في معالجة قضاياه تشريحًا وتجريحًا ، حكمًا وتصويبًا لجوهر الحياة انتهاء بمشاكل الوجود أو عدم الوجود … الثقافة هي الموقف الأخلاقي والقيمي الذي اكتسبه الإنسان ونمّاه من خلال تجربة الحياة ، وبمكانه فيه ووجهة نظره في حيثيات شؤون وشجون الناس …
والفرق شاسع بين الثقافة هذه والحضارة التي تنحصر بالانجازات المادية التي قلما يكتفي بها
الثقافة في مفهومي هي خاصة من خواص العقل الواعي، هي خلاصة رؤية الإنسان لمفهوم الكون.. عمومًا والمجتمع خصوصًا.
ونتساءل هل لدينا مثقفون باحثون يعالجون شؤون المجتمع، القيم ..الحكم .. الحرية .. العدل .. وهل نستطيع فصل الثقافة عن السياسة والحكم ..
يقول فرنسيس بيكون: الحاكم المثالي يربيه ويهذبه الفلاسفة والمثقفون ..
يقول أفلاطون قبله: التنظيم السياسي الاجتماعي يعكس درجة ثقافتنا …
يقول أرسطو : الإنسان حيوان سياسي … العواصف التي تجتاح المنطقة العربية والنكبات التي تنهال عليها من كل حدب وصوب وكأن كوارث صندوق باندورا قد فتح على مصراعيه، سببها السياسة الفاشلة الهابطة التي تنتج في المنطقة.
هل من كوة ثقافة حقيقية تنتشلنا والمنطقة من هذا الصراع، وتفتح بارقة أمل، أو كوة ضوء في آخر النفق؟!
أصدقائي:
لا بدّ للمثقف أن يتناول السياسة لأنها تدير المجتمع وقضاياه المصيرية .. غاية الثقافة اغناء السياسة والهدف مكافحة التخلف . لا بد من الانسجام بين العقليات الفكرية وبين المؤسسات الحاكمة ، والاّ إما تسطيح الفكر أو تبديل المؤسسات.
على الدول التي تحاول النهوض أن تمثل المثقفين وقادة الفكر عن طريق هيئاتهم ومجالسهم وأبحاثهم وبفرض هذا التمثيل ، ذلك كي يواجهوا أدعياء وقانصيّ الأصوات الانتخابية ومزوّري ارادة الشعب .. وهذا المثقف هو الذي يعالج قضايانا ماضيًا، وحاضرًا، ومستقبلًا …
ونتفاجأ حين نرى أبحاثًا وأطروحات عندنا تبحث في قضايا ومشاكل وحضارات العالم ، وقلّما نجد أثرًا في هذه الدراسات على تماس مع أنظمتنا وقضايانا وحقوقنا، وسياسة بلادنا وغليان الطائفية عندنا!
ونتساءل: ما سبب هذا الضمور الثقافي ..
هل العلّة في المثقف… أم في المجتمع المغلق على ذاته، الغارق في عصبيته وطوائفه وغرائزه.. أم في أنظمة الحكم البالية والفاشلة؟
باختصار شديد .. نبدأ بالثقافة والمثقف. هل ثقافتنا جبانة سطحية غير متجذرة بقناعاتها .. هل هي ثقافة واجهة ووجاهة للتزين والتفكّه .. هل العلة في المثقف المعزول عن مجتمعه ويكتفي بتجمعات النخبة والتي تشبه تلاوة نشيد الأناشيد على الكاهن .. هناك مثقفون صامتون هاموا على وجوههم، منهم من اشترته الصحافة أو الوظيفة، لا بأس لو كانوا أحرارًا مستقلين. الجرأة والتجرد، الشجاعة والثورة على التدجين، تلك هي صفات المثقف الذي يرفض المجتمع المتخلّف المنغلق على ذاته (وهذا هو السبب الثاني) المرتاح الى أمن قوقعته وتبعيته ويفضل المثقف المتزلف الوصولي.. اذا تخلّى المثقفون والعلماء عن اصلاح وتوعية ومواجهة مجتمعهم خوفًا من أنياب ومخالب التخلف، كيف نصلح وطنًا ونوجه أمة. هل نترك حكمة للفاسدين والعاطلين عن الفكر…
هذا يأخذنا الى السبب الثالث. أنظمة الحكم الفاسدة الفاشلة والمستبدة. أنظمة طائفية فئوية قبلية تزرع التفرقة في المجتمع وتتحكم بقطعان جاهلة تسوقه الى حتفه في حروب أهلية ونزاعات عشائرية.. تناحر وثورات مجهولة المحرك.. الثورة التي لا تبث عملًا ايجابيًا ثقافيًا توعويًا انمّا هي عاصفة عابرة ونار تأكل نفسها !!
وهنا أدعو المثقف إلى تحدي وفضح هذه الأنظمة ومحاربتها، الى التضحية براحته وأمنه وسلامته حيث يدعو النضال القيادي، والاّ فهو أميّ مبطن بالعلم …
ونسأل لماذا تستنقع مجتمعاتنا وتكرر أخطاء الماضي بنسخ مزيفة! أمبراطوريات محتلة بأسماء جديدة.. لماذا فشل العرب في بناء ديمقراطية عادلة مع كل الثروات والخيرات التي يمتلكونها؟! لماذا نجح في القرن الماضي الأفارقة والآسيويون بالنهوض بمجتمعاتهم حيث فشلنا.
غاندي – سنغور – نكروما وغيرهم .. نظم غاندي الفقر وسار خلفه كل المثقفين والشعب وخلق النضال السلبي وحرر الهند. كان محاميًا اصلاحيًا مثقفًا وعالم أخلاق… وقامت تحت تأثيره حركات عالمية مطالبة بحقوق الإنسان والحرية… فتشوا عن الفشل الثقافي في السياسة…
أسئلة كثيرة تطرح لا يمكن معالجتها في هذه العجالة.. والسؤال اليوم هل تستطيع الحركة الثقافية اليوم أن تحفز المثقف على أن يكون صوتًا صارخًا في البرية يوجه المجتمع ويتحكم بمقاييس قيمه؟
والسؤال الأخير متى نبدأ .. كيف نبدأ .. أين نبدأ ؟؟؟!!
***
*ألقيت في الندوة حول تطوّر الحركة الثقافية وأحوال المثقّف مع الأديبة والإعلامية إقبال الشايب غانم، حاورتها الدكتورة زهيدة درويش، ضمن فعاليّات معرض الكتاب السنوي الحادي والخمسين في الرابطة الثقافية طرابلس، وبدعوة من “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي”.
المصدر / موقع الف لام / 5 / May 2025




