أدب وفن

“بين السطور”، لدرِّيَّة فرحات

“بين السطور”، لدرِّيَّة فرحات


د.عبد المجيد زراقط


” بين السطور، قراءات نقدية، في فنِّ السَّرد” ، للأستاذة الدكتورة درِّيَّة فرحات، كتاب صدر مؤخَّراً عن دار البيان العربي، في بيروت.
يتضمَّن هذا الكتاب ثلاثاً وأربعين قراءةً، في ثلاثة وأربعين نصَّاً قصصيَّاً: مجموعات قصص قصيرة وروايات ، إضافة إلى نصوص أخرى يُسأل عن نوعها القصصي.


الملاحظ أنَّ عدد كاتبات هذه النصوص يساوي، تقريباً، عدد كتَّابها، وهذا يفيد بتحقيق المرأة المساواة بالرجل، في كتابة الأدب القصصي.
نبدأ قراءتنا هذا الكتاب من عنوانيه: الأوَّل والثاني:
العنوان الأوَّل :” بين السطور”، يفيد استحضار الغياب، أو، كما تقول المؤلِّفة، يفيد تبيُّن ” المعني الخفيَّ المضمر”( ص.٢٨)، من طريق” دراسة العلامات”(ص.٤١)، بغية ملء البياضات التي يتركها المؤلِّف، بوساطة التأويل( ص.٦١)، وهذا جميعه يعني، كما تضيف المؤلِّفة، أنَّ الناقد يقرأ ” مابين السطور، ويتأمَّل في العلاقات المعقَّدة بين الشخصيات، والأحداث، والسياقات الثقافية والتاريخية”( ص. ٢٨٣).
العنوان الثاني:” قراءات نقديَّة في فنِّ السرد”. بدهيٌّ أنَّ النصوص القصصية التي قُرئت، في هذا الكتاب، ليست نصوصاً سردية فحسب، وإنَّما هي نصوص قصصيَّة، والنَّص القصصي نسيج محكم النسج يتألَّف من خيوط كثيرة، منها: السرد والوصف والحوارين : الذاتي والثنائي والتضمين والتأمُّل…، ولعل العنوان الأفضل، لهذا العنوان الثاني، هو: قراءات نقدية في نماذج من الأدب القصصي، لأن هذا ما تضمَّنه الكتاب فعلاً.
ولا يفوتنا، في هذا السياق، أن نتوقَّف إزاء كلمة ” فنّ” ، في العنوان الثاني، وهي مقصودة، كما يبدو لي؛ إذ إنَّ فنِّية النَّص هي ماتجعله أدباً، ولعل هذا ما أرادت المؤلِّفة قوله، عندما تبيَّنت، في أحدى قراءاتها ، “ثلاث مواعظ” ، ودروساً تعليمية تتعدَّد، في نصوص المجموعة القصصية، التي تقرأها( ص.١٨و ١٩) ، والبدهي أن المواعظ والدروس التعليمية نوع كتابي ليس من الأدب، بوصفه فناً من الفنون الجميلة. وأنا أستخدم التأويل، هنا، لأقول : لعلَّ المؤلِّفة أرادت، من طريق غير مباشرة، تحديد ما تقصده ب” فنِّ السرد”، منذ، بداية قراءاتها، وهو نوع أدبي تهيمن فيه الوظيفة الجمالي، وليس وعظاً، ولا تقديم دروس.
تفيد قراءة هذا الكتاب أنَّ مؤلفته أ. د. درية فرحات تعتمد منهجية عامة يمكن صوغها كما يأتي: البدء بقراءة عتبات النص، وهي: العنوان، فتتبيَّن ما تسمِّيه ” سيميائية العنوان”، وتدخل النص من عتباته، وأولاها عنوانه، ثم الغلاف، والإهداء، والتصدير، والتوطئة، وما كتب على صفحة الغلاف الأخيرة، وتأويل كل عنصر من هذه العناصر وتبين دلالته، بوصفه مكوِّناً من مكوِّنات النص القصصي، ثم تتبين دلالات أسماء الشخصيات ، فالقاصُّ، كما تقول، لا يختار أسماء شخصياته مصادفة، فالاسم” علامة سيميائية”، وهي تعدُّ دلالة كل اسم مكوِّناً من مكوِّنات هوية شخصيته، فتسأل، على سبيل المثال: هل اسم إيمان ، في رواية ” اَخر”، لمحمد قصبي،” إيمانٌ ببراءتها من تهمة الخيانة”( ص. ٥٩) . ثم تقديم معرفة بما تقتضيه القراءة، مثل تعريف القصة القصيرة بأنها” فن اللحظة المهمة”، وبيان الفرق بين القصة القصيرة والرواية…، ومتابعة قضية ذات علاقة بالنص مثل العبودية، على سبيل المثال( ص.٢٢)، في إحدى القصص الرائية إلى هذه القضية . ثم الإفادة من دلالة الحقول المعجمية، ثم تعريف النص بإيجاز، وتحليله، وتبيُّن خصائصه ودلالته، ونقده، كما في نقدها لبعض القصص القصيرة، بأنها” أشبه بملخصات روايات”، بمعنى أن القصة من هذه القصص، “يمكن أن تكون رواية كاملة الحوادث”، وهذا النوع من القصص القصيرة ينتمي ، كما تقول، إلى مرحلة بدايات كتابة القصة القصيرة في الأدب العربي ( ص. ٨٧) ،وإصدار الحكم عليه، كما في قولها ، على سبيل المثال:” إن الروية ألقت الضوء على مرحلة تاريخية مهمة ، وفي الوقت عينه، فقد قدمت الكثير من المعلومات الطيبة والشعر”( ص. ٥٥) ، وهذا نقد لروائيَّة هذه الرواية، إذ إنَّ وظيفة الرواية ليس تقديم المعلومات . وتحديد اتجاهه القصصي، مثل تحديدها، على سبيل المثال، لاتجاه محمد إقبال حرب الرمزي، ومحاولة تحديد نوع النص القصصي، في حالات يكون نوع هذا النص ملتبساً، بين السيرة والرواية والسيرة الروائية، وتبيُّن التناص وتوظيفه.
ولا تفوتنا إعادة القول: إنَّ هذه المنهجية عامة استقيت من استقراء القراءات جميعها، وليس من قراءة واحدة، أو من بعض القراءات.
في ما يتعلق بالمنهج، المعروف أن قراءة النص هي تقديم معرفة به: ظاهراً ومضموناً، من منظور القارئ، ويعني هذا تعدُّد القراءات الذاتية، فلكلٍّ قراءته، وهذه القراءات تتنوَّع وتختلف بتنوُّع القرَّاء واختلافهم. وإذا وُصفت القراءة بالنقدية، فهذا يعني اعتمادها مناهج نقدية.
وقد انطلقت المؤلِّفة، في قراءاتها هذه، من النص، فوصفت، وحللت ،وركَّبت نتائج، واعتمدت، وفاقا لما يقتضيه النص المقروء، مناهج نقدية حديثة، منها: المنهج السيميائي، المعروف بالعاملي، لغريماس، والمنهج السردي، وخصوصاً مايتعلَّق بالمنظور، العائد لأسبونسكي، والمنهج التأويلي، والمنهج النفسي… .
وقد أثار استخدامها هذه المناهج مسائل تحتاج إلى نقاش لا يتسع له المقام هنا، مثل الرؤية، والرواة، والراوي العليم، وطرق السرد ، والمنظور ومستوياته، والزمان الروائي، والفضاء النصي، والفضاء الروائي، وعلاقات هذين الفضاءين …
أثارت هذه القراءات، في سياق بحوثها، الكثير من القضايا المهمة/ الإشكاليات الجديرة بالنقاش، ومنها: الأدب النسوي، الرواية التاريخية، بين القصة القصيرة والرواية، التجنيس القصصي، الجدل بين الوقائع والتاريخ، من نحو أول، والتخيُّل والأدب من نحو ثان، العلاقة بين السينما والأدب ، الأدب العجائبي، أدب المقاومة، والأدب المقاوم، الفرق بينهما ، الخيال العلمي، الأسطورة: هوية وتوظيفاً… .
بدهي أن لا تتسع مقالة قصيرة للنقاش، في هذه القضايا جميعها. لهذا سنكتفي بنقاش ما تحدثت به أ. د. درية عن ثلاث قضايا هي: الأدب النسوي، إشكالية العلاقة بين الواقع، ومنه الواقع التاريخي وبين التخيُّل الأدبي ، والأدب المقاوم.
ففي ما يتعلق ب” الأدب النسوي”، تقول المؤلِّفة، في قراءتها لرواية علوية صبح:” اسمه الغرام” : ” هناك موضوعات معينة ركزت عليها المرأة في كتابتها، فكانت قضايا الحب والغرام وعلاقتها بالرجل، فكان الجنس عاملاً أساسيا في بعض هذه الكتابات….، وقد أثار مصطلح الكتابة النسوية إشكالية على مستويي الجنس والإبداع…”( ص. ٣٥). وإذ نقرأ قراءات أخرى في نصوص قصصية لعدد من الأديبات، نجد أن قضايا هذه النصوص لا تقتصر على تلك القضايا المذكورة قبل قليل( راجع: ص. ١٣٤، ١٣٨، ١٧١،١٧٥، ٢١٣، ٢٤١، ٢٥١، ٢٥٣، ٢٦٨).
ويبدو لي، في هذا الشأن، أنَّ الأدب الذي تكتبه النساء لا يقتصر على قضايا خصوصيتها البيولوجية، وأن ليس من خصوصية تميِّز جميع ما تكتبه النساء من أدب، وذلك يعود إلى أن ليس من تجربة عامة واحدة في كتابة الأدب، لا للرجال ولا للنساء، فالتجربة الأدبية تجربة شخصيَّة ذاتية ، وهذه التجربة فرديَّة وفريدة. وإن كان من مشترك، فهو كائن بين الأديبات والأدباء الذين يعيشون تجربة تكوِّنها عوامل مرحلة تاريخية مشتركة، فيتَّصف النص الممثِّل لهذه التجربة بميزتين فردية فريدة ، من نحو أول، وعامة مشتركة هي ابنة المرحلة التاريخية، من نحو ثان، في الوقت نفسه، والفرادة النصية التي يحققها المبدع لنصه هي الأساس في تميُّز هذا النص، سواء كان هذا المبدع أديبة أو أديباً. ثم إن تمثيل أيَّ قضية لغةً أدبية، هو عمل متخيَّل يصدر عن مرجع ،وليس نقلاً للمرجع نفسه، والتخيُّل شخصيٌّ، وصنيعه شخصيٌّ، لا يشترك أحد معه فيه.
وفي ما يتعلق بالرواية التاريخية، والتحوُّل بالتاريخي إلى قصص أدبي، تميِّز المؤلِّفة بين كتابة التاريخ وكتابة الرواية التاريخية( ص. ٥٢)، وتعرف الرواية التاريخية، مستشهدة بتعريفات عدد من الباحثين، وتسأل: كيف نجمع بين الخيال والتوثيق التاريخي؟ وتجيب، على سبيل المثال: ” إنَّ [ رواية] دروز بلغراد رواية تجمع بين أمرين، يمتزج فيها التاريخ بالخيال، تهدف إلى تصوير عهد من العهود، أو حدث من الأحداث الضخام، بأسلوب روائي سائغ مبني على معطيات التاريخ، هي تاريخ في قالب روائي…” ( ص.١٠٨).
هذا الكلام صحيح، ويمكن الإضافة إليه ما يأتي: إنَّ مرجع أيِّ نصٍّ هو المجتمع المعيش التاريخي، أو الراهن، والأدب يصدر عن هذا المرجع، فيختار الأديب من منظوره، من هذا المرجع، العناصر التي يريد أن تكوِّن نصَّه، ثم ينظم من منظوره، كذلك، هذه العناصر في بناء أدبي متخيَّل ينطق برؤيته إلى العالم وقضاياه، فيمثل الحدث التاريخي، في النص القصصي، المادة الأوَّلية التي يُصنع منها هذا النص، لينطق برؤية الأديب إلى التاريخ وإلى الواقع الراهن.
إن اختيار ربيع جابر حادثة ضمِّ الضابط العثماني لبائع البيض يعقوب إلى الدروز المعاقبين، وهو لا علاقة له بقضية العقاب، وإنما أُخذ بدلا من ابن أحد السادة، ليس مصادفة، وإنما لأداء وظائف كثيرة، منها: بيان فساد السلطة العثمانية، وترهلها، وكشف ثنائية السادة والمواطنين العاديين في ذلك المجتمع، وفقد المواطن العادي قيمته الإنسانية، وقد يكون بيان فاعلية قدر الإنسان، أو الوضع الإنساني من هذه الوظائف، هذا إضافة إلى دور هذه الحادثة، ممثَّلة بوحدة سردية في إثارة التشويق، والحثِّ على متابعة القراءة، في مناخ الإحساس بالظلم والنقمة على الظالم .
ويبدو واضحاً تمييز المؤلِّفة الأدب المقاوم، ليس من طريق التعريف المباشر، وإنما من طريق خصائص النص الأدبية والرؤية التي ينطق بها، ومن نماذج ذلك، أنَّها تقرأ النص، فتكشف ما ينطق به عنوانه :” ضحكات الكروم”، على سبيل المثال، من فرح الطبيعة وفلاحيها بالجمال ووفرة العطاء، وما تضمَّنه النص من فرح لقاء الحبيبين في هذه الكروم التي تبارك لهما حبهما، وما شهدته هذه الكروم من معارك مع العدو المغير باَلياته ليدمر هذا الفرح، فيقاوم الأحبَّة ،ويكون النصر في هذه المعرك لهم، ما يجعل ” تينات الكروم ودواليها تضحك كما تضحك في كل يوم”( ص.٢٠٣)، ويدوم الفرح في الوطن .
الواضح أن هذا الكتاب يقدم قراءات نقدية منهجية في نصوص قصصية لبنانية وعربية كثيرة، مايدل على أن مؤلفته أ. د. درية فرحات ناقدة مواكبة للحياة الثقافية القصصية اللبنانية والعربية، وناقدة لإنتاجها، معتمدة منهجية علمية، ومناهج نقدية حديثة، وذائقة نقدية نافذة إلى جواهر النصوص القصصية ورؤاها وقضاياها، وهذه القضايا كثيرة، تحتاج إلى تداول ونقاش، وقد أثرنا هذه القضايا، وناقشنا بعضها ، في الحيز المتاح لهذه المقالة القصيرة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى