أدب وفن

البشير عبيد : «ما يراه الأعمى» للسيد بوفايد… حين تُبصر القصيدة ما تعجز عنه العيون

«ما يراه الأعمى» للسيد بوفايد… حين تُبصر القصيدة ما تعجز عنه العيون

البشير عبيد*

صدرت عن دار أبجديات للنشر بمدينة سوسة المجموعة الشعرية السابعة للشاعر التونسي السيد بوفايد «ما يراه الأعمى»، لتشكّل منعطفاً لافتاً في مسار شعري يتقدّم بثبات نحو مزيد من النضج والاقتصاد التعبيري والرهان على العمق. فهذه المجموعة لا تُقرأ بوصفها إصداراً جديداً فحسب، بل باعتبارها مشروعاً جمالياً يراكم أسئلته الخاصة حول معنى الرؤية، وحدود اللغة، وقدرة الشعر على اقتراح أفق بديل في زمن يزداد فيه العمى الرمزي اتساعاً.
منذ العنوان، نحن بإزاء مفارقة دلالية كثيفة. فـ«ما يراه الأعمى» ليست جملة صادمة بقدر ما هي إعلان عن إعادة ترتيب العلاقة بين البصر والبصيرة. العمى هنا لا يُستدعى بوصفه نقصاً حسّياً، بل يتحوّل إلى استعارة كبرى عن رؤية داخلية أكثر صفاءً، وعن قدرة الروح على التقاط ما يتوارى خلف الضجيج اليومي. هكذا ينقلنا الشاعر من سطح المشهد إلى عمقه، ومن المعطى الحسي المباشر إلى المعنى الكامن في طبقات التجربة.
يكتب السيد بوفايد نصوصه بلغة مشغولة بعناية، حيث تتعالق الاستعارة بالمجاز في نسيج دلالي متماسك، دون إفراط في الزخرفة أو استعراض بلاغي مجاني. فالصورة الشعرية لديه لا تقوم على الإدهاش السريع، بل على انزياح هادئ يقود القارئ إلى منطقة تأملية تتكشّف تدريجياً. ثمة اقتصاد في العبارة يقابله غنى في الإيحاء، وثمة وعي واضح بأن الشعر الحقيقي ليس كثافة ألفاظ، بل كثافة معنى.
في هذه المجموعة، تتقدّم الذات الشاعرة وهي تعيد مساءلة علاقتها بالعالم. ليست الذات مركزاً متعالياً، ولا العالم مجرد خلفية صامتة، بل كلاهما يدخلان في حوار داخلي تتقاطع فيه أسئلة الوجود: الضوء والعتمة، الحضور والغياب، الانكسار والأمل. غير أن الانكسار هنا لا يُكتب بروح استسلام، بل بروح مقاومة صامتة، كأن القصيدة فعل ترميم لما يتشظّى في الخارج.
كما تحضر في النصوص نبرة تأملية شفيفة تقترب أحياناً من الحسّ الصوفي دون أن تقع في المباشرة أو الادعاء. فالشاعر لا يعظ، ولا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يترك للصور أن تقول ما تعجز عنه اللغة التقريرية. إنّه يكتب بعين تُغمض لتبصر، ويقترح على القارئ أن يعيد النظر في مفهوم الرؤية ذاته: هل نرى حقاً بما نحدّق فيه، أم بما نصغي إليه في أعماقنا؟
وتتجلّى فرادة «ما يراه الأعمى» في قدرتها على الجمع بين التجربة الفردية والبعد الإنساني العام. فاللحظة الخاصة تتحوّل إلى رمز، والتجربة الذاتية تنفتح على أفق مشترك. هنا يتجاوز الشعر حدود الاعتراف الشخصي ليصير مساحة لتأمل جماعي في هشاشة الإنسان وقوته في آن. وهذا ما يمنح النصوص بعداً يتجاوز السياق المحلي إلى أفق إنساني أوسع.
بهذا المعنى، تمثل هذه المجموعة الشعرية السادسة للسيد بوفايد خطوة واثقة داخل المشهد الشعري التونسي المعاصر، إذ تراهن على العمق لا على الصخب، وعلى الرؤية لا على الزينة اللفظية. إنها كتابة تُدرك أن الشعر ليس وصفاً لما يحدث، بل كشفٌ لما يُخفى، وأن العمى في معناه الرمزي قد يكون شرطاً لرؤية أكثر صدقاً.
ويأتي اختتام هذا الأفق القرائي بشهادة الباحث والإعلامي التونسي أ. محمد المي، رئيس تحرير مجلة الحياة الثقافية، التي تعكس صدى هذا العمل في الوسط الثقافي، إذ كتب مخاطباً الشاعر:
«تلقيت مساء البارحة مجموعتك الشعرية: “ما يراه الأعمى” الواصلة عبر البريد مضمون الوصول فسعدت بهديتك الجميلة وبنص الإهداء الذي مهرته بها.
وقد اطلعت عليها في عجالة ليلة البارحة وما نمت حتى أتممتها، وقد انبهرت بكتابتك وقدرتك على تخريج معاني الكلام وطريقتك في تصريف الصور الشعرية وترصيع أساليب الكلام في المجاز والاستعارة وأنواع التشابيه، وهو ما يؤكد قدرتك الشعرية ويحفظ اسمك بين أهم شعراء تونس.
أجدد شكري لك على هذه الهدية الجميلة وسأقدمها على صفحات العدد الجديد من أعداد مجلة الحياة الثقافية، وأدعوك للكتابة معنا.»

*شاعر و كاتب تونسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى