نرجسيّة السِّيلفي/ الأديبة فاتن مرتضى

في مساءٍ بيروتيٍّ رائقٍ، كانت “ليال” تجلس قرب نافذةِ غرفتها، ينسابُ على وجهها ضوءٌ ذهبيٌّ يشبهُ اعترافًا متأخِّرًا من الشَّمسِ بجمالها. رفعتْ هاتفها، والتقطتْ صورةَ سيلفي، ونشرتها على الفور.
ما إن مرَّت لحظاتٌ، حتّى بدأتِ الإشعاراتُ تنهالُ على هاتفها، “لايكاتٌ” متسارعةٌ، وعباراتُ إعجابٍ تتغزَّلُ بها وبحضورها، فشعرتْ بأنَّ العالمَ أجمعَ يُصفِّقُ لها.
بعد دقائقَ، وبينما كانتْ تستمتعُ بهذا الضجيجِ الافتراضيِّ، وصلتْ رسالةٌ خاصَّةٌ من “زاهر”، ذاك الشابِّ الذي تعرَّفتْ إليه في معرضٍ تشكيليٍّ قبل أسابيع، وكان يملكُ مهارةً كبيرةً في قراءةِ رمزيَّةِ الزوايا المُهملةِ في اللّوحاتِ وأبعادِها. كتب لها بتعجُّبٍ:
“أليستْ كثرةُ صورِ السِّيلفي دليلًا على النَّرجسيَّة؟”
تجمَّدتْ أصابعُها فوق الشَّاشة. شعرتْ أنَّ السُّؤالَ جاء ليسرقَ فرحتَها ويختزلَها في حكمٍ جاهزٍ. كتبتْ بانفعالٍ:
— لم أتوقَّعْ منك، وأنتَ الفنَّانُ، أن تراني بهذه السَّطحيَّة.
جاء ردُّه سريعًا:
— ولم أتوقَّعْ أن يجرحَكِ سؤالٌ أردتُ به الفهمَ لا الإدانة.
أجابتْ “ليال” بوضوحٍ:
— المشكلةُ يا “زاهر” ليستْ في “السِّيلفي”، بل في سهولةِ الأحكامِ الَّتي نُطلقُها من الظَّاهر. نحنُ نحبُّ أن نُصنِّفَ النَّاسَ في عُلَبٍ ضيِّقةٍ ، فمن يُصوِّرُ وجهَه نرجسيٌّ، ومن يكتبُ عن حزنِه دراميٌّ. هل فكَّرتَ يومًا أنَّ ما تراهُ قشرةً قد يكونُ درعًا يحمي روحًا هشَّةً؟
ساد صمتٌ قصيرٌ، ثمَّ كتب “زاهر”:
— ربَّما أخطأتُ حين جعلتُ من الظَّاهرِ ميزانًا للحقيقة. أخبريني إذًا، ما الفرقُ بين النَّرجسيَّةِ وتقديرِ الذَّات؟
تنفَّستْ بعمقٍ، وكتبتْ بسلاسةٍ:
— النَّرجسيُّ يلتقطُ صورتَه ليطلبَ من العالمِ أن يقولَ له إنَّه استثنائيٌّ. أمَّا من يُقدِّرُ ذاتَه، فينظرُ إلى نفسِه ليقولَ: أنا أستحقُّ الحبَّ، حتّى لو لم يُصفِّقْ لي أحدٌ.
سألها:
— وما الفرقُ بين أن أُحبَّ نفسي وأن أُقدِّسَها؟
كتبتْ:
— أن تُحبَّ نفسَك يعني أن تُصالحَ انكساراتِك.. وأن تُقدِّسَها يعني أن تتوقَّعَ من الجميعِ أن يدوروا في فلكِك. تقديرُ الذَّاتِ سلامٌ داخليٌّ، أمَّا النَّرجسيَّةُ فهي جوعٌ للمديحِ لا يشبعُ..
ظلَّ “زاهر” صامتًا لدقائقَ، ثمَّ أرسل:
— إذًا، لماذا تنشرين صورَكِ وأنتِ تُدركين أنَّ العالمَ سيحكمُ عليكِ من ظاهرِكِ؟
نظرتْ “ليال” إلى بيروتَ الَّتي بدأتْ تسرقُها العتمةُ، وكتبتْ بصدقٍ جارحٍ:
— لأنَّني في بعضِ الأيَّامِ أشعرُ أنَّ زحامَ المدينةِ يمحو وجودي. ألتقطُ صورةً وأنشرُها لأطمئنَّ أنَّني ما زلتُ هنا، وأنَّ ملامحي لم تتبدَّدْ في هواءِ الخيبات. “السِّيلفي” أحيانًا ليس استعراضًا، بل هو بيانُ وجودٍ لِمَنْ يخشى التَّلاشي.
قرأ “زاهر” الرِّسالةَ أكثرَ من مرَّةٍ، ثمَّ كتب:
— أعتقدُ أنَّني فهمتُ الآن… لقد كنتُ أرى الصُّورةَ وأعمى عن الإنسان. أجملُ صورةٍ هي تلك الَّتي لا تقولُ للعالم: “انظروا إليَّ”، بل تهمسُ لصاحبِها: “أنتَ موجودٌ… وهذا يكفي”.
في صباحِ اليومِ التَّالي، كتبتْ “ليال” تحت صورتِها الأخيرة:
“لا ننشرُ صورَنا لِنُبهرَ أحدًا، بل لنؤكِّدَ لأنفسِنا أنَّ الضَّوءَ الَّذي في داخلِنا لا يزالُ قادرًا على الانعكاسِ فوق وجوهِنا.”
وقبل أن تضعَ هاتفَها جانبًا، أومضتِ الشَّاشةُ برسالةٍ من “زاهر”. لم تكنْ نصًّا هذه المرَّة، بل كانتْ صورةً للوحةٍ قديمةٍ لم يكتملْ رسمُها بعد، أرفقها بعبارةٍ واحدةٍ:
“الآن عرفتُ كيف أمنحُ لوحتي ملامحَ حقيقيَّةً، ملامحَ تُشبهُكِ في صدقِكِ ، وجهٌ لا يغيبُ بانتهاءِ الضَّوء ..”
ابتسمتْ “ليال” وأغلقتِ الهاتف وشعرتْ بدفءٍ يغمرُها، وأنَّ وجهَها هذه المرَّةَ لم ينعكسْ على الشَّاشة، بل استقرَّ في مكانٍ أعمق..




