مقالات واقوال مترجمة

راينار ماريا ريلكه: ثلاث رسائل إلى صديقة من البندقية (*) ترجمة حسونة المصباحي

راينار ماريا ريلكه: ثلاث رسائل إلى صديقة من البندقية (*)
ترجمة حسونة المصباحي
ملحق كلمات السبت 30 أيار 2020

كان الشاعر الألماني الكبير راينار ماريا ريلكه في الثلاثين من عمره لمّا عشق فتاة فائقة الجمال من مدينة فينيسيا الإيطالية تُدعى ميمي. وهذه الرسائل أُرسلت إليها بين عامّي 1907 و1912. وخلال السنوات الخمس، لم يتوقف ريلكه عن الترحال، متنقلاً بين باريس، وجزيرة كابري، ومدينة بريمن الألمانية، وقصر دْوينو على البحر الأدرياتيكي. وفي هذه الرسائل، نعثر على ما كان يشغله من أفكار حول الحياة والحب والشعر والشعراء.
ح.م.

1.

فينيسيا، 26 نوفمبر
حوالى منتصف الليل
صديقتي العزيزة الجميلة،


لأول مرة وحيداً أمام صورتك، يتوجب عليّ في ليل فينيسيا أن أكتب لك. وحتى ولو كانت قصيرة هذه الرسالة، فإن ميزتها أنها الأولى. وستكون هناك رسائل أخرى تكرر لك ما قلته لك للتو بكل بساطة وبراءة.
كم أنا سعيد أن أكون قد التقيت بك أنت الجميلة والرائعة. وأنا أتعلم جمالك مثل طفل ترْوى له قصة بديعة. وأنا شديد الإعجاب بالصورة التي أنت عليها وأنت تتعذبين بكل صدق ونزاهة. لقد كبر قلبك حيث تموت وتفنى قلوب أخرى. لا تنسي ذلك أبداً. ولا تنغلقي في مصيرك، بل ظلي كما أنت. احتفظي بجناحَي الملاك اللذين سيسْمحان لك بالدخول في الحياة التي تنتظرك من دون أن تعلمي بذلك – إنها نفس الأجنحة التي تحملك إلى فنك. تسلّحي بكل انطلاقاتك وتحفزاتك وافرضي على الذين تلتقين بهم جمالك وروحك كما لو أنهما قانون. تحلّي بالهدوء يا عزيزتي، كل ما سيحدث لك، لن يضرك، بل سيكون منقذاً لك.

بعد كل المسائل التي تحدثنا حولها والتي أحسسنا بها معاً خلال هذه الأيام، يكون من الطبيعي أن أحبك. ولا بدّ من إعادة هذه الكلمة إلى عظمتها القديمة: لهذا السبب أنا أنطق بها من بعيد. من بعيد لأنني مسؤول عن تحمّل وحدتي. وأنطق بها من قريب لأن الذين أحبهم يساعدونني على تحملها بلا حدود.
في ما بعد، سوف يبدو لي دائماً أني فكرت في نفس اللحظة التي رأيتك فيها للمرة الأولى أنك «ميمي» – لأني أحبك منذ أمد بعيد. لكني أحبك أفضل منذ أن تعرفت إليك.
ليلة سعيدة، صديقتي العزيزة. والوقت الآن متأخّر للكتابة. وشكراً جزيلاً لك ولأختك العزيزة الطيبة: أنا أهنأ من دون حدود بكرمكم وطيبتكم.

الأحد صباحاً
أنا أيضاً: لا وداع لي أبداً.


سأحمل روحك وأوريها لله وللملائكة. ستكون في الكون. والأزهار سترى نفسها فيها مفتونة ومنبهرة، والطيور ستحطّ عليها لكي تشرب. ستكون سعيدة.
قلبي سيواصل تأملك ساجداً خاشعاً. أحبك. أسمع رنين النواقيس.

2.

في ضواحي كولونيا
الاثنين صباحاً

مشاهد تلو الأخرى. ونحن نرمي بها خلفنا من دون أن نفتحها. لا أحد يرغب فيها. ليل وأيام ليست لأيّ أحد. والمطر. المطر اللامبالي، المتعب، يسقط من دون أسف، وأخيراً المطر. وماذا بعد؟ -يا إلهي، يكفي.
لكننا نغمض أعيننا.
عزيزتي: هناك في هذا القطار الشنيع من يغمضهما. وأنت تعلمين السبب.
هو يغمضهما بقوة إلى درجة أنه يشعر أن عينيه تذوبان داخل محجريهما مثل حبّات عنب ناعمة في فميْن، إذ أنهما نضجتا بما فيه الكافية في بضعة أيام. كان الصيف. ويا له من صيف طويل.
لن تصلك الرسائل التي كتبتها لك بالأمس. لقد أعدتُ قراءتها. وكان لي شعور بالحزن. ولم أكن على صواب. أليس كذلك؟
كان هناك أناس من حولي. لم أكن وحيداً. إلاّ أنني كنت وحيداً مع ذلك. وكم كنت وحيداً.
لأكثر من مرة تناولت الـFioretti من دون أن أفهم. وفي النهاية، أخفيت وجهي في الكتاب المفتوح مثلما أخفيه في كفّي يدي. لقد كانت حركة فرانسيسكانية بسيطة، فيها شيء من الطيبة، وهي تواسيني.
سوف أقرأ هذا الكتاب الصغير المتواضع الذي يعرف عنك.
مررنا بغودسبارغ. وسنكون في «بريمن» ظهر اليوم. أفكر في زوجتي، وفي «روت» الصغيرة التي ينتظرني قلبها مفتوحاً: هذان الكائنان اللذان يوثّقان منذ سنوات حبهما الصادق والفخور بحياة التيه التي أنا أعيشها. لا بدّ أن يكون لي ما يكفي من الحب لجميع الذين أحب، لأنه لا بد أن يكون لي ذات يوم كل حب العالم لعملي الشعري.
مع ذلك، ليس لي اليوم سوى رغبة واحدة: أن أكون في فينيسيا، وحتى وإن لا أكون بجانبك: (أنا أشعر بك دائماً بجانبي في أيّ مكان أحلّ به وأحسّ أن حياتنا مديدة بالسعادة وبالألم)، لكن لكي أقرفص في كنيسة في ساعة القداس الإلهي، وأن أظل في «زاتار» لوقت طويل، وأن أمر بالأزقة الضيقة حيث يمكنني أن ألتقي بك، وأن أرى من بعيد المنزل ذا اللون الوردي الذي يبدو لي أنه الوحيد الذي بُني في البحيرات الشاطئية، والبداية وأمّ كل الساحات والكنائس التي لا تزال فيها الكنوز الرائعة. ثم لكي لا أتألم بكلّ هذا الحنين. وفي الختام أنا أعرف (منذ وقت قصير) أنه لا بدّ أن يتوفر ما يكفي من الحب لكي نحب أكثر الألم، وخاصة الألم.
فكري بكل مودة وطيبة في زوجتي يا ميمي، وفي روت الصغيرة التي ستقودينها ذات يوم إلى ساحة القديس مرقص. فكري فينا، يا ميمي. سنعمل.
أغمض عينيّ يا عزيزتي.
ملاحظة: قولي كلمات جميلة وطيّبة لأختك العزيزة. تحدثي مع والدك عني، وبلغيه احترامي وتقديري له. اكتبي لي في أقرب فرصة ممكنة. قولي لي كل شيء. أنت تعرفين العنوان: أوبرلاند قرب بريمن/ ألمانيا.

3.

أوبرلاند قرب بريمن
7ديسمبر 1907


شيء مرعب أن نفكر في أن هناك أشياء كثيرة تُبْنى وتهدم بالكلمات. والكلمات بعيدة عنا، ومنغلقة في ديمومة حياتها الثانوية، لامبالية بحاجاتنا القصوى. وهي تتراجع إلى الوراء حالما نمسك بها. وهي لها حياتها الخاصة بها، ونحن لنا حياتنا الخاصة بنا. وأنا أشعر بكلّ هذا بأشد ألم من ذي قبل في هذه اللحظة التي أكتب لك فيها أنت العزيزة عليّ جداً، والتي أرغب في أن أقول لها كلّ شيء. كيف لي أن أعبر لك عن كل ما أحسّ به، وعن كلّ ما يؤلمني، وعن كل ما يواسيني منذ أن وطئت قدماي هذا البلد الثقيل، بمواجهة السّهل الأسود والأخضر الذي يمضي حزيناً في الضباب. كيف أصف لك كلّ الحياة الأخرى التي ليست لي، والتي أجد فيها نفسي بحياء، وبعسر وصعوبة، لأنه ليس عملي هو الذي يشدّني إلى هنا؟ والحقيقة أني لا أجد نفسي داخل قلبي إلّا حين أكون بجانبك. إنه العمل الذي أريد، نفس العمل، العمل الطويل، من دون نهاية، من دون مصير. وفي الختام، العمل.
والحال أنه توجد هنا كائنات عزيزة استقبلتني بكل لطف ومودة، ولها من قبل حياة متوحدة، تلاحقني من بعيد. لقد عملت زوجتي جيداً رغم كلّ المصاعب التي تحيط بها، وروت الصغيرة تمدّ لي كلّ كيانها بحركة حقيقية تكاد تكون كبيرة تتجاوز سنّها، وأنا أجهد نفسي لكي أكون جديراً بكل هذا.
وأن أكون جديراً بك أنت أيضاً يا ميمي، أنت يا من فرض عليّ جمالك نفسه كما لو أنه واجب. وزوجتي لا ترى مانعاً في أن أحبك، ومعاً نمضي ساعات ونحن نتأمل صورتك الجميلة رغم أنها لا تعكس جلالك وبهاءك بما فيه الكفاية. والصغيرة، كم تحبك. وهي تقول لي: «الآن عندما أدخل إلى مكتبك، لا بد أن أنظر إلى هناك»، أي إلى صورتك.. وهي تسميك عرّابتها العزيزة. وهي تعلم كم أنت جميلة من دون أن أقول لها ذلك. وهذا ما أقوله لنفسي…
سأحدثك مستقبلاً عن أشياء تخصّ عملي. عليّ أن أكتب رسائل كثيرة. واليوم تمت دعوتي لإلقاء محاضرة في هانوفر قريباً. وقد لبّيت الدعوة لأنها توثق صلتي قليلاً بعملي. وداعاً عزيزتي.
ملحق: تحياتي الودية إلى أختك العزيزة. ذكريات إلى المنزل الوردي. وتحياتي إلى ماريا.
(*) راينار ماريا ريلكه: رسائل إلى صديقة من البندقية، ترجمة: حسونة المصباحي، منشورات بيت الشعر بالمغرب، 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى