أدب وفن

باقة من قصائد الشاعر عصمت حسّان

قيامة بيروت

قد قيلَ
يومــاً تضحكُ الأيامُ
وتقومُ تنهشُ ذئبــَها الأغنامُ

ويروحُ يعدو في الشوارعِ
عتمُهـــا
خلفَ الشموسِ
وكمْ يموءُ حَمـــامُ

وتقاتلُ الأزهارُ
كــلَّ فراشــةٍ
كانتْ على كتفِ الرحيقِ تنـامُ

وسيحملُ الأطفالُ صمغَ نعاسهمْ
وسيكبرونَ
وينهضُ الأيتــامُ

وستقفزُ الأشـجارُ من أوراقها
تعرى
وتقضمُ جذرَهـــا
الأنسامُ

لا شيء يبقى ها هنا في حالــهِ
ستعودُ نحو جحورها
الأقزامُ

وتقوم جدرانُ البيوتِ من الكرى
صُوّرٌ تقومُ إلى الضيا
ورخامُ

وشوارعُ التاريخِ
تخلو من أسىً
وتعودُ تكتبُ مجدَهــا الأقلامُ

وستسقطُ الراياتُ من عليائها
خجلاً
وتســدلُ ثوبها الأعلامُ

بيروت قبل اليوم كانتْ مسرحاً
لجميع من سرقوا البلادَ
وهاموا

كانت إذا جاعَ الفقيرُ تعيرهُ
قمحَ الفؤادِ
وكم صحتْ ليناموا

كانت تصلي للغيابِ
وللضنى
وتقول إني في العذابِ إمامُ

كانت عروسَ الشرقِ
سـرَّ بهائه
كم كان يسكنُ شـرقنا الإجرامُ

قصّوا ضفائرها الجميلة نقمةً
وسَـبوا
قلوب العاشقينَ
وساموا

وتوحّدوا في وأدهـا
حوريةً
شالاتُها بوحُ الشـذى وغمـامُ

شقراء فيها ألف شمسٍ
أشرقتْ
حينَ البلادُ ضغينة وظلامُ

حريّةٌ لا يستريحُ جناحُهــا
فيها تراتيــل السّــما
وسـلامُ

كم حاولوا قتـلَ الرضيعِ بحلمهــا
شــبَّ الرضيعُ
وما اصطفاهُ فطـامُ

كم حاولوا طعن القصائدِ
غِيلةً
ظلتْ مـَـداها أبحــرٌ وكــلامُ

هم نســلُ شـيطانٍ تأبّدَ حكمُهُ
قانونهُ الإفقــارُ
والإيـلامُ

مشروعهُ استهلاكُ كلّ فضيلةٍ
وجيوشهُ الأنذالُ
والأزلامُ

لا بدّ يوماً تضحكُ الأيامُ
وتقومُ
تنهشُ ذئبــَها الأغنامُ

فالناسُ لو حُقنتْ تصيرُ صوارماً
والأرضُ فينا شعلةٌ
وغرامُ

بيروتُ بعد اليوم
لن تبقى لهمْ
شهداؤها رغمَ الجريمة قاموا.


آخر الشهداء
*
هذي البوارجُ عصفٌ
لم تكنْ زبدا
جاءتْ لتمحوَ جرحَ الناسِ
و البلدا

في كلّ بارجةٍ جيشٌ بلا عددٍ
و قد أضعنا على تعدادِنا
العددا

القادمون إلينا اليوم قد قدموا
من قبلُ حتى أشاعوا
القهر والرمـدا

لبنان يذكرُ كم أعطى ليبعدهم
دماً كريماً
وأعطى العز والشهدا

هل جرحُ بيروتّ فخٌّ
كي يدحرجَنا للقاعِ
من زوّروا الإحسـانَ والمــددا

هل جرحُ بيروت ميعادٌ ليحكمنا
كل الذين أعــادوا
غبنَ ما ابتعـدا

هل جرحُ بيروت إيذان
لمعركةٍ
تناصر الحقد والأعداء والنكدا

أمْ جرح بيروت إتمامٌ لمرحلةٍ
لن تبقي خارج تطبيع الوغى
أحدا

هل مُزّقَ الناسُ
كي يستولدوا شــبحاً
وحكّموا في مصير الأمة الولدا

يا شعب لبنانَ
هذا الموجُ ملتبـسٌ
وأيّ شــطّ بلا عشّـــاقه فســـدا

ما زالت النار في بيروتَ ظامئةً
قوموا
لنحرقَ مَن إحراقها قصــدا

هذي الجثامينُ فيها الجرحُ
يصرخنـا
لا تأمنوا
يكرهُ الإخلاصَ من حقـدا

غابتْ فرنسا
لأنّ الحقَّ زعزعها
و هـا تعودُ وكلُّ الراضخينَ عِدى

ولعنة الغربِ ما كانتْ لنا ســــنداً
لن يصبحَ اللصُّ
مهما ضمّنـــا ســــندا

إنّي أرى اليوم فينا
أهلَ ملعنةٍ
أرى الخياناتِ تلويناً ومعتقدا

وأدركُ البحر مفتوح على جشعٍ
للطامعينَ
فكونوا الرأيَ والرشــدا

لا تسلموا الأمرَ جزاراً
ليذبحنا
يبقى الغريبُ غريباً
والعداءُ صــدى

هذي البوارجُ
لا قمحاً ستمنحنا
ولا حياةً
ولا أمناً
ولا ســـددا

تجيءُ كي تسرق الخيرات من بلدي
فلا يرى الشعبُ
غير الموت إن حصدا

كونوا عيوناً ترى
زنداً
وألويةً
أخاف لبنانَ أضحى
آخر الشــهدا


العيب

عيبٌ مقامُك في الحياة ركوعُ
همْ يسرحونَ
ووحدكَ المقموعُ

هم يأكلونَ الأرضَ
بئسَ وليمةٍ
لا يشبعونَ وكم يذلّـكَ جــوعُ

يكفيكَ تبقى العمرَ
مفعولاً به
فمتى يجيء الفاعلُ المرفوعُ

هم لو أردتَ الصفرُ
قمْ واضربْ بهمْ
عرضَ الحريقِ
فيسقطُ المشروعُ

ليسوا سوى بشرٍ
وأنت جعلتهمْ
سوطاً عليكَ وكلهمْ مبيوعُ

يستأسدونَ إذا انحنيتَ
فلا تكنْ سهلَ المراسِ
فكم يخيبُ قنوعُ

اصرخْ بهمْ
فالصوتُ يصنعُ ثورةً
ويصيرُ يخشى التابعَ المتبوعُ

هم بضعُ فُسّــادٍ وقد أعطاهمُ
صكَّ البراءةِ
شعبُك الموجوعُ

لا يرتوون من الدماءِ
كأنّما
هم يشربون
وجرحُك الينبوعُ

فاخرجْ
مداكَ الريحُ
عيناكَ المدى
همْ هامشٌ ووجودكَ الموضوعُ

هم يرحلونَ
وأنتَ تبقى ها هنـــا
قلْ مرةً : فليسقطِ الممنوعُ

أو قلْ سرقتمْ يا طغاةُ فغادروا
لا لن يكونَ لسارقين
رجوعُ

أحرقتمُ الميناءَ
بيروتَ الهوى
بيتي وأهلي
لن يعودَ خنوعُ

من دمعة الأيتامِ أعلي صرختي
وقيامتي شمسٌ زهتْ
وشموعُ

أنا مؤمنٌ بالناسِ ليس يُخيفها
بعد الفجيعةِ
في الطريق وقوعُ

سنقوم نحو قصوركم
لن ننحني
ويعودُ يعلو صوتُنا المسموعُ .

الشاعر عصمت حسان رئيس منتدى شواطئ الأدب بشامون الضيعة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى