أدب وفن

سيرة ذاتية للوحشة( مقام الغابة )

سميحة التميمي *

سيرة ذاتية للوحشة ( مقام الغابة )
لن تسكن الوحشة في العراء –عليك ان تبني لها قصراً أن أردتها جليسة !
الوحشة: انها البقعة التي لا تزول بمساحيق الكلام حتى في الليل وأنّهِ فلا رحمة تسع كل شيء هناك الا رحمة الخالق وتلك هي المتعة الغالية والحقيقية.
انها تثقل على العيش بدون ان تثقل على الحياة المليئة بالأخيلة كمن يدمن دواء لا نفع منه ولا فيه السؤال المطروح : هل تنفع الإرادة أو قوة الرغبة والتي يصحبها إحساس بالزهو في تبديد الوحشة أو حتى الضجر منها وملاحقتها ونبذها بالعقل! هل تنفع الريح الندية او البدر المطل المنصت لأهل السُرى؟ أم الصبح الذي ينتظر وصول الشمس ليطلع، أم أن تلك العصا الكالّة من توكئنا تريد طريقا باتساع المفازات الى الطرف الآخر من القلب، ذاك الذي لا ينتصر في حروبه ولا ينسى معاركه التي خاضها مع بشر يسيرون بلا بوصلة وكذلك بلا قلوب، بينما كان يصلّي.ويتامل المدن الساجية التي مر بها والنسمات السارية التي ليس غيرها ترافق ضلوعه الباردة ،
يبدو أن على الحكمة أن توشوش الوحشةُ عن سر الكون العظيم وعن المدرَكِ والمدرِك وعن الممثِل والممثَل ، وعن الشيء الذي قالوه فَفَسَدْ وعن الذي لم يُقَل فظل جميلا.

لماذا اذا يحضر مصطلح العجز حتى امام من يدعون انهم عباقرة أقوياء فالمجانين لا يعرفون أصلا لغة العجز بمعناها المؤلم !
هل تفيد القراءة او الكتابة لأن؟ هناك أدوية متعبة ولكن لا بد منها من أجل ان نرفع الى الأعلى هذي الأرواح التي هبطت، لا بد من زهور مقطوفة، جذوعها مدلّاة في مزهرية بها ماء، وكذا لا بد من عَيْنٍ هرّبوها من بلاد العميان، لا بد من ترتيب خرائبنا التي لا يراها أحد وعندها ومن جراء الصفو الطويل يصبح النشيد ممكناً وعالياً وشجيا.
أين الحديقة في هذه الخرائب إن لم نتخيلها، هل نحن عاجزون عن التخيل؟
اننا لا نستطيع أن نعتذر للاخضرار والزهور، علينا أن نتمتع بمناظرها وعطرها علينا ان نقرأ امامها الشعر ونقيم طقوس المحبة وعندها لا ندعها تغرب وحدها سننشيء بيوتا من العشب حولها ونستدعي الدنيا فثمة من يريد ان يرقص فيها ويغني وثمة من سوف يتعرى من رذائله وثمة من يريد ان يوشوش وثمة من سوف يبرد ثم يرتعش قبل ان يغادر مبتهجا او مُرهَقاً في هذيان لا يرتبك معه، مثل طفل بكامل عافيته في احتفال يرقص فيه كل الوقت مرخيّا تحت فطرة طيبة في حضن الدنيا الأليف قبل ان يتحول ذاك الحضن الى طُرق ذاتِ طَرْقٍ وسفك وضجيج.
لدي رغبة في الإنصات لمخلوقات هذه الغابة التي تجلس حولي الآن، والحراس يتناومون من أجلي ولكن :هل للغابة حراس؟ ترى:بماذا تفكر تلك الضفدعة، وذاك المهر الصافن، وتلك الدودة التي لا أعرف اسمها، وهل أصيبت أقدامها بالتنمل لقلة حركتها، وهل يرتعش ذلك الغصن أم يتحرك بفعل الريح، وتلك الشجيرة هل تسعد بفعل الانفقاد والاستسلام فلا ريح ولا عصافير ولا حتى خيط شمس يهتدي اليها،هذا هو الكلام السري الذي لا يبوح به الطفل الذي لا يشعر بالكراهية، بل لا تتعرف عليها مشاعره انها رسائل على شكل أطفال نفلسف فيها سلوكيات (صغير) لم ينهره على شيء أحد قط، بل كان يقلّد ما يراه ..فكم ذاتٍ يا ترى في هذا الطفل الكبير وهل هناك فاصل جوّانيّ بينه وبين نفسه، هل من وحشة !
ثمّة محبات في الزهور والفراشات والاخضرار المبثوث في الأرض يفوق ما تحمله قلوب الكثير من البشر السائرين هنا وهناك كما أنه ثمة كلام كتبه عشاق مخلصون يفوق ما كتبه أكثر الشعراء لغة وموهبة وثمة فلسفة في الصمت تفوق ما يحمله كلام كثير، وقد تصيبك بالرعب من كيفية ترتيب المفردات وضجيجها ووقعها على الاذن والنفس، جُوّانياً كان هسيسها أم برانياً فالأرواح البشرية متفردة في الاستجابة بالعين او الاذن او الحس، سبحان من أنشأها.
إن التسلل الى محميات النفوس بحِمل حميمي وفراسة فراشة لا تريد الا الرحيق تجعلك تسلّم لهذه الفراشة مفاتيح حصونك لتتجول على هواها، تتوهج وتنطفيء، تمتص وتتكيء، وكأنك كائناً اخر لا تجيد فعل ما تفعله هذه التي لا نأسى عليها عندما تموت وهذه شهادة على ان لدينا وجهين من الغموض نحضر ونغيب معهما بين عذوبة وعذاب ونداء استغاثة يتلاشى معه ما في ذاكرتنا عن مدينتنا العسلية بعيدا عن وخز التلميح او المصافحة بنصف يد أو التوقف عن الشك بنبل ومحبة، وليبقى لنا أمل في النجاة.
وسَيبْقَى قَلبكَ فارغاً إلى أن تَملَأه بِرَبِّكَ
وتُريقَ لَهُ فيهِ اللَذيذَ مِنَ الهَوَى والأُنسِ وَالكَرى
وَلَوْ بلَغتَ منَ الضوءِ عِتيَّا
(أو فارمِهِ لِ (يَلتَقِطهُ بَعضُ السَيّارة)


*روائية و شاعرة أردنية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى