أدب وفن

جميعنا لا أحد/ نورة عبيد*

جميعنا لا أحد
لا أحد يستطيع التّخلّص من صفحته على الفايس بوك أو تويتر أو انستغرام أو التيك توك أو غيرها من مواقع التواصل الاجتماعيّ. لقد صارت هذه الصفحات الافتراضيّة مقوّم وجود حقيقيّ. وفيها اختلط الكلّ بالكلّ؛ اختلط المبدع بالمحاكي، والمشهور بالمغمور، والصّالح بالطّالح، والعزيز الفريد بالسّواد الأعظم. وفيها من يطلّ باسمه وصورته وصفته، ومن ينتحل الاسم والصّورة والصّفة. وفيها من يغيّر جنسه؛ إذ يتخفّى الذّكر في اسم أنثى كما تتخفّى الأنثى في اسم ذكر….

هذه المواقع باتت تكشف وتحجب، بقدر ما تظهر وجوها وأفكارا، بقدر ما تحجب أخرى. فخلف هذه الصّفحات وجوه وأقنعة مستمرّة في وحدتها القاسيّة. ولسائل أن يسأل عن تجليّات هذه الوحدة؟ على صقيع هذه الصّفحات تنتشر وحدة قاسية للبشر! ومن تجليّات هذه الوحدة أن تجد أكثر من خمس تدوينات في اليوم الواحد فظّة ومهذّبة في آن واحد! تعجّ بالسّخريّة والازدراء، مسخّرة للّدفاع عن النّفس. نفوس مشحونة خلف ما تغرّد به أو تقهقه أو تبارك أو تعزّي…لغة مفعمة بالتّورية والرّموز والتّلميحات وإعلان النّهايات. صفحات زاخرة بالحياة اليوميّة؛ كشفت عن ولع بالأشكال والتّقاليد الرّسميّة في صيغ وتعابير جاهزة حجبت العواطف الحقيقيّة الحميميّة.

فأدّت إلى التّصنّع والتّظاهر. تضاءلت دهشة الحياة ونضارتها حزنا وفرحا. وتضاءل البشر حتّى بدوا أشباحا وصدى. فلم يعد للمدوّنين والمدوّنات اقتراحات، بل صار لهم منزلقات. لم يعودوا قوّة اقتراح، بل كومة سخريّة وتفكّه. فلا أحد بات شهيرا على هذه الصّفحات، ولا أحد بدا نكرة ! كأنّ هاجس الوجود والتّعبير والتفكير والعرض والتّدبير والنقد والانتقاد والتّعظيم والتّصغير يضيع في متاهة، خال صاحبها أنّه نجا منها بوجوده على هذه المواقع الاجتماعيّة “الاستعراضيّة”! هذه الصّورة العميقة- كما أراها- للمشتركين والمشتركات على هذه المواقع تكشف رغبة ملّحة في أن لا يكون المرء نكرة. رغبة عنيدة في أن يحارب الغياب بخلق حضور مهما كان هذا الحضور. فكأنّ ممارسة الوجود الافتراضيّ استباق للغياب وامتلاء بالحاضر. والغريب أنّ بعض المواقع تذكّرك بأنشطتك السّالفة مع كلّ يوم جديد… وكم من مستعيد لذكرى على صفحة الفيسبوك مثلا تراه يتغنّى بفكرته وأصالتها، أو بتدبيره وحكمته لاسيّما إذا وجد في يومه ما يؤكّد وجاهتها. إنّ إبحار جلّنا على هذه المواقع التواصليّة، يلغي أغلبنا. فكأنّ لا أحد حاضر ولا أحد قد يغيب. فجميعنا لا أحد! فقد سبق صمتنا صخبنا! ضاعت صورنا و اشتدّت ظلال تجهر بما في قرارة نفسها تناجي العناية الإلهيّة والوطن والأصدقاء. في حضور افتراضيّ يحرّرنا على نحو مؤقت من الوحدة والضغوط الّتي لا مهرب منها.


*كاتبة و روائية تونسيّة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى