حب شتوي الأجواء/ قصة قصيرة/ القاصّة هند يوسف خضر

حب شتوي الأجواء
السماء تفتح فمها يتساقط لعابها على وجه الأرض كأنها تهمس لها بسر قديم ، حبات المطر في الخارج تنهمر بشهية، تفتح النفس لتناول قطعة من سكر العشق بشراهة قرب النار التي تنبعث من موقد الحطب و تلهب الجسد كلهيب أحشاء عاشق…
بضعة طقوس صباحية تمارسها مريم كأنها شعائر مقدسة، بدأت صباحها بكوب قهوة بدون سكر، احتسته على إيقاع الأنغام الفيروزية الحارسة لأمنياتها، قبضة من زهر الكاردينيا وضعتها في منفضة زجاجية فاحت رائحتها في كل الزوايا و تسللت خلسة إلى أنفها فداعبت مشاعرها الرقيقة، علبة سجائر رفيعة أمامها بنكهة النعناع تناولت واحدة و أشعلتها، انتابتها رغبة للسير في هذا الجو، ارتدت معطفها الأحمر وتركت شعرها ينساب مع هطول قطرات المطر بحرية مستسلمة للشتاء وكأنه جزء منها، وصلت إلى نهاية الشارع، وقفت قليلاً عند المكتبة التي اعتادت أن تذهب إليها لتشتري الكتب، على الواجهة الزجاجية يوجد مجموعة كتب، وقع نظرها على كتاب غريب يحمل عنوان ( حب شتوي الأجواء) وكأنه فاتح شهية للحب والقراءة، غلافه يبدو بسيطاً، يميل لونه إلى البنفسجي، بدا كأنه يحمل بين طياته وعوداً بالأحلام والدفء، لمست صفحاته الباردة فأحست بحرارة خفية سرت في جسدها، كأن الحروف تنبض بذكريات تعرفها، بدت كأنها تستعيد شيئاً فقدته منذ زمن، فتحت على صفحة الإهداء وقد جاء فيه: إلى من تعرف نفسها أنها بطلة قصتي… أثار هذا رغبتها للغوص في أعماق الكتاب، فتحت على إحدى صفحاته، حدقت في سطوره بدهشة غير مسبوقة كأن الكاتب يعرفها أكثر مما تعرف نفسها، شردت لحظة وقرأت ( للحب في فصل الشتاء نكهة خاصة لا تتذوقها في باقي الفصول، يرفع درجة حرارة جسدك رغم الصقيع، يضيء لك شمعة أمل رغم أنف الظلام)
اشترت الكتاب و ذهبت مسرعة لتبدأ بقراءته، راودتها رغبة بإشعال سيجارة أخرى، ما إن بدأت بالقراءة حتى ارتجفت أصابعها الطويلة، روى الكاتب قصة شاب أحب فتاة وهي كذلك بادلته الحب، لم يكن حباً عادياً، يمكن أن نقول خرافياً، احتضن أحلامها بين ذراعيه و تعاهدا على البقاء، كانت تفاصيل ذاك العشق دافئة مثل ليلة حمراء، ناعمة كالمخمل، مقدسة كصلاة في لحظة خشوع، مضيئة مثل شجرة الميلاد..
عاشا قصة حب تشبه الأساطير، التقت نبضات قلبيهما على مفترق طرق، أعطته كفها ليمنحها بعض الدفء الذي تحتاجه، لكن هذا العشق تحول إلى ضرب من الجنون بل إلى محاولة لعبور المسموح والممنوع، و في لحظة فارقة شعرت البطلة أن هذا الحب يملي عليها كل شيء وكأنها ستفقد نفسها بين ذراعيه، أطلقت صرختها المدوية في وجه الريح العاتية قائلة: لن أدفن روحي و أنا على قيد الحياة.
كانت صرختها تخفي خلفها رغبتها أن تظل قادرة على الحب دون أن تفقد ذاتها…
أحست مريم وهي تقرأ بأن دفء الكلمات تسرب من بين أصابعها وأعاد إليها إحساساً بالحياة، لقد أعادها هذا الكتاب إلى ليال بعيدة كانت فيها عاشقة تخاف أن تعلن حبها للريح، سقطت سيجارتها في المنفضة، رفعت رأسها نحو النافذة، مازال المطر ينهمر على إيقاع نبضها، النار تتراقص داخل الموقد وكأنها تصفق للكلمات، ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة و قالت لنفسها:
ربما نحن جميعاً نعيش حباً شتوي الأجواء، نحتاج فيه فنجان قهوة، أغنية حب، ذاكرة دافئة وقلباً يلفنا كحرير ناعم في ليلة شتاء قارسة.
هند يوسف خضر… سوريا




