أدب وفن

جريمة القتل و طقوسها الترويع والبشاعة والمرض النفسي ، لبنان مسرحها منذ عقود !

جريمة القتل و طقوسها الترويع والبشاعة والمرض النفسي ، لبنان مسرحها منذ عقود !

أنطوان يزبك*

العنف والجريمة من موبقات الإنسان البشعة و المؤلمة و عمليات القتل لا تنتهي في لبنان والعالم و مؤخرا عُثر في أواخر شهر أكتوبر على جثة إمراة مخفية في حقيبة ، و مرميّة قرب حاويات النفايات ، على طريق النهر في سنّ الفيل، وجدها متسوّلان كانا يفتّشان في حاوية القمامة على رزق قليل من ما يجود به الناس من زيالتهم .
وصلت القوى الأمنية و بدأت التحقيقات ليتبيّن لها أن الجثّة عائدة لامرأة أثيوبية ، مطعونة بعدة طعنات و ملفوفة بأكياس بلاستيكيّة .
كشفت التحقيقات المكثّفة أن الضحيّة قتلتها مواطنة أثيوبيّة أخرى وذلك بسبب خلافات بينهما .
هذه الأحداث تتكرّر يوميا في لبنان والعالم ، ومنذ سنوات عديدة ، لم تتوقف الجريمة أبدا في التاريخ منذ بداية البشرية . بعد أن قرأت هذا الخبر في الصحافة، عادت بي الذاكرة الى قضيّة القاتل السّفاح اللبناني الشهير فيكتور عوّاد، وهو قاتل متسلسل لبناني الجنسية ، عرف بارتكابه سلسلة من الجرائم البشعة في لبنان ، خاصة في حق النساء المومسات و بائعات الهوى اللواتي يقعن ضحايا المجانين والمعتوهين في كل أنحاء العالم .
ففي عام 1948، اهتزّ حي الجميّزة في بيروت على وقع جريمة قتل مروّعة راح ضحيتها مومس تدعى أنطوانيت نجّار، حيث قام فيكتور عوّاد بخنقها وقطع رأسها.
تبيّن لاحقًا أن فيكتور عواد قام بارتكاب جرائم قتل أخرى، بما في ذلك جريمة قتل جوزيف عواد وإيميلي عنطوري . القي القبض على فيكتور و تمّ إعدامه شنقًا في عام 1949 .
قصة فيكتور عوّاد شبيهة بقصة جاك السفّاح أو جاك باقر البطون Jack the Ripper وهو قاتل متسلسل لم تعرف هويته أبدا . ظهر هذا القاتل في منطقة وايت تشابل في لندن في النصف الأخير من القرن التاسع عشر وتحديدا في عام 1888 عُرف جاك السفاح بارتكابه سلسلة من الجرائم البشعة حيث قام بقتل العديد من النساء معظمهنّ من المومسات وبائعات الهوى اللواتي ينتشرن على أرصفة شوارع لندن ليلا ، وعرف عنه أنّه كان يقتلهن بوحشيّة و ساديّة مرعبة ويعمد بعد ذلك ، إلى تشويه أجسادهن .
لكن مع الأسف الشديد لم يتمّ حلّ لغز جرائم جاك السفاح أبدا على الرغم من مهارة شرطة تلك الأيام( الاسكوتلنديارد) في حلّ الجرائم المستعصية، ممّا أدّى إلى انتشار العديد من النظريات حول هويّة جاك الحقيقية وقد أصبح هذا القاتل رمزا للرعب والغموض وظلّ موضوعا للعديد من الكتب والأفلام والدراسات و باعتقادي المتواضع ، أظن أن هذا هو هذا هو السبب الذي أفضى إلى رواج الرواية البوليسية في انجلترا والعالم حيث كتبت آجاتا كريستي وحدها حوالي 90 رواية من هذا النوع ، كما اشتهر أيضا السير أرثر كونان دويل مؤسس شخصية شيرلوك هولمز الشهيرة و إدجار آلان بو الذي كتب العديد من القصص البوليسية السوداء و البلجيكي جورج سيمونون وهو الأغزر وقد كتب أكثر من أربعمئة كتاب و اشتهر بشخصيّة المحقق الواقعي الذكي ( ميغريه ) Maigret .
بالعودة الى لبنان اتذكّر قصّة جريمة حصلت في بيروت من أكثر من سبعين سنة على عهد الكوميسير صلاح اللبابيدي رئيس شرطة بيروت إذ قام رجل و قتل زوجته الجميلة الفاتنة بدافع الغيرة القوية وقطّع جثتها ورماها في بستان مهجور في بيروت . ولكن ما لبثت الشرطة أن اكتشفت الجثة وبدأت التحقيقات .
بدأت الشبهات تحوم حول القاتل لأن جيرانه لاحظوا غياب الزوجة التي لم تكن تغيب أبدا عن الحيّ و عن زيارة جيرانها الذين يبادلونها الزيارات بدورهم ولاحظوا أنها اختفت فجأة من دون سابق إنذار وعندما ، سُئل الزوج عنها وعن طول غيبتها كان يتحجّج بأنّها مسافرة تزور أهلها . ولكن الأمر لم يخفَ على جهاز الاستقصاء الذكي الذي ما لبث أن وضع حيلة (مبكّلة) لا تخطر على بال أحد : اختيرت سيدة تشبه إلى حدّ بعيد الضحيّة المغدورة وأخذت ترتدي ثيابا تشبه ثياب المقتولة وتعترض عمدا طريق[ الزوج_ المتّهم ] وهو ذاهب إلى عمله أو عندما يتجوّل في شوارع المدينة وعندما يقترب منها ليكلّمها تبتسم له و تفرّ هاربة ، فطار صوابه وأصابه ما يشبه المسّ الشيطاني فيضحك ضحكات هستيرية و ما لبث أن أنهار عصبيا و اعترف بجريمته .
طبعا هذه القصة مشكوك بنسبتها إلى شرطة بيروت فهنالك فيلم قديم لجيمس ستيوارت بالأبيض والأسود عرضته صالات السينما في بيروت في الأربعينات ولا شكّ أن الذاكرة الشعبية قد تكون مزجت بين أحداث الفيلم وحقيقة الجريمة وتداخلت عناصر الأحداث مع بعضها البعض فامتزج الواقع بالخيال ولكن من الأكيد أن شرطة بيروت تمكّنت من حلّ لغز الجريمة لكفاءتها وذكاء المحققين ولكن لا يسعنا سوى القول أن الخيال إذ يمعن في خياله ينتهي به المطاف الى أن يتحوّل إلى حقيقة !
الجريمة في لبنان والعالم قصة تطول بدأت مع قاييين وهابيل ولم تنته حتى يومنا الحالي ، هذا الإنسان الذي قيل عنه أنه على صورة الله ومثاله يبدو لنا أنه لا يحمل من الإله شيئا سوى الشكل أما المضمون فهو على مثال الشيطان القاتل الكافر ، تتحكّم به جيناته الوحشيّة أو لاوعيه المجرم في حياته النفسية الذي يدفع به إلى ارتكاب الجرائم والعنف والقتل الجسدي إلى جانب القتل المعنوي فالكلمة تقتل أكثر من المسدس والإنسان مهما فعل يبقى ذئبا متوحّشا ولو كان جروا صغيرا لم يفطم بعد من حليب أمّه الذئبة الشرسة فهو يحتاج الى ترويض و أنظمة جزائيّة صارمة لكي تكبح جماح غريزته و تردع جريمته .
تقول الأسطورة القديمة أن مؤسسي روما ريموس و رومولوس رضعا من حليب ذئبة حين تخلّى عنهما والدهما الملك ولكن نجحا في تأسيس أعظم إمبراطورية في العالم القديم وهي إمبراطورية روما صحيح ان الرومان كانوا من أشرس المحاربين ودفع بهم ذلك الى السيطرة على حوض المتوسط أو ما كان يعرف بالعالم القديم ولكن نجح هذا الشعب في وضع أشهر و أعظم الشرائع والتي لازلنا نطبّقها حتى يومنا هذا وصار الشرع الروماني في أساس قوانين و شرائع العالم الحديث !
علوّاه لو تستطيع البشريّة أن تعبر بنا نحن البشر من حالتنا الذئبيّة الوحشيّة البدائيّة إلى حالة القوم المتحضرين أصحاب القوانين العادلة والشرائع العظيمة ! …

*كاتب و باحث لبناني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى