أدب وفن

رحيل الشاعر الفاضل ،فاضل حاتم…

رحيل الشاعر الفاضل ،فاضل حاتم…

يتسلّل خبرُ الموت في العالم الافتراضي بلا أقدام، بلا طرقات على الأبواب، وبلا استعدادٍ منّا. يصل نصّاً بارداً فوق شاشة مضاءة، بينما الحدث الذي يحمله يحترق في مكانٍ آخر. هكذا بلغنا رحيل الشاعر فاضل حاتم: جملة قصيرة، صورة باهتة، تعليقٌ مقتضب، وكأن الموت صار إشعاراً يُضاف إلى تدفّق يومي من الرسائل.

في هذا الفضاء، لا يمشي النبأ إلينا… نحن نمشي إليه. نضغط على الرابط، نفتح الصفحة، نقرأ أسماء المعلّقين، نحاول أن نصدّق أو نكذّب. العالم الافتراضي لا يعرف زمن الصدمة. هو يقذف الخبر دفعة واحدة، تاركاً إيّاك تتمّم الباقي في رأسك: وقعُ النبأ، صورة اللحظة، مكان الوفاة، تفاصيل الجسد الذي غاب. هنا يصبح المتلقّي هو صانع المشهد. الخيال يكمّل ما حجبه البعد، فتتخيّل الميت في اللّحظة التي سبقت الإعلان بثانية واحدة، ثم في اللّحظة التي تلته.

في زمن منصّات التواصل، ينتقل الموت من حدث ثقيلٍ كثيفٍ إلى مادة قابلة للمشاركة. يُعاد تدويره: منشور فوق منشور، قصّة فوق قصّة، حتّى يتحول إلى صدى متراكم لا تعرف من أين بدأ. ومع ذلك، يبقى وقعُه على المتلقّي أشدّ لأن الصفحة التي كانت قبل دقائق ممتلئة بقصائد فاضل حاتم باتت الآن مرآةً لغيابه. لا وساطة بينك وبين الفقدان… أنت تتلقّى النبأ مباشرة من شاشة تعرف بصمتها أنّ ما فوقها جارح.

والأغرب أنّ خبر موت الشاعر لا يأتي فقط على هيئة إعلان، بل على هيئة قطيعة أيضاً. فبمجرد أن نقرأه، ينكسر زمن الشعر لديه. قصيدته الأخيرة تصبح فجأة “القصيدة الأخيرة”، وصوته في مقابلة منشورة يصبح “الصوت الذي لن يتكرّر”. في العالم الافتراضي، تتحوّل المواد المؤرشفة إلى متحفٍ فوريّ، وتتحول ذاكرتك أنت إلى قيمٍ على هذا المتحف، مهمّتك الوحيدة أن تتخيّل الشاعر في اللّحظة الفاصلة بين الوجود والغياب.

وبينما ينهمر الخبر في تدفّق عابر، يتحول المتلقي إلى شاهدٍ غير مُعدّ. لا يملك إلا صورةً متخيلة عن اللحظة: من الذي كتب المنشور الأول؟ كيف ضغط زرّ “نشر”؟ بأي نبرة؟ وما معنى أن يصبح الموت قابلاً للضغط بزرّ؟ هذه الأسئلة لا تُقال، لكنّها ترتسم في الخيال حين تتخيّل يدَ من كتب النعي، تلك اليد التي كانت تحمل موجة الفقد قبل الآخرين بثوانٍ قليلة.

هكذا يصلنا الموت اليوم: لا يترك لنا فسحةً للتهيّؤ، ولا يجيء عبر طرقنا القديمة. يأتي نصّاً، لكنّه لا يبقى نصاً. يتحول فوراً إلى صورة في المخيلة، وإلى شعورٍ ثقيل يجعل الشاشة رغم كل ضوئها مساحةً معتمة. وفي رحيل فاضل حاتم، نكتشف من جديد أنّ العالم الافتراضي ليس وسيطاً محايداً… بل فضاء يضاعف وقع الفقد، لأنّنا نحن مَن يملأ فراغ التفاصيل بقصتنا الخاصة، وبهذا يصبح موت الشاعر حدثاً داخلياً بقدر ما هو خارجي.

في النهاية، ليس السؤال كيف يبلغنا خبر الموت، بل كيف نتحمّله حين يصل بهذه الطريقة: متخفّفاً من الجلال، ومثقلًا بكل ما يتركه في خيال المتلقي من صمتٍ مفاجئ لا يمكن مشاركته ولا الإفلات منه.

د.دورين نصر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى