أدب وفنمقابلات

الناقدة عبد الرؤوف المل تحاور الشاعر بلال المصري

حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل*

في زمنٍ تتآكل فيه المعاني تحت ضغط السرعة، وتُختزل التجربة الإنسانية في إشارات عابرة وأيقونات صامتة، يعود الشعر ليطرح سؤاله الجوهري لا بوصفه فنّاً لغوياً فحسب، بل كفعل مقاومة ضد التفريغ الشامل للإنسان من عمقه. هذا الحوار لا يقدّم إجابات جاهزة عن الشعر، بل يكشف شبكة معقّدة من التوترات التي تحكم وجود الشاعر اليوم: بين الكتابة والعالم الرقمي، بين الحب كقيمة وجودية وبين إنسانٍ مهزوم أمام المادة، بين القصيدة كشهادة وبينها كطاقة تغيير غير مباشر. إذاً نحن أمام رؤية شعرية لا تنشغل بالشكل بوصفه غاية، ولا تتعامل مع اللغة كزينة، بل ترى في القصيدة كائناً حيّاً، تُقاس قيمته بما يحمله من روح لا بما يملكه من ألفاظ. شاعرٌ ينتمي إلى أفق قصيدة النثر، لا باعتبارها تمرّداً شكلياً، بل بوصفها خياراً معرفياً يضع الإنسان في مركز السؤال، ويستبدل اليقين بالقلق، والخطابة بالتأمّل. هنا، لا يُقدَّم الحب كموضوع رومانسي مستهلك، بل كقوة غير قابلة للهزيمة، وهزيمته الوحيدة تكمن في عجز الإنسان عن بلوغه . مع الشاعر بلال المصري أجريت هذا الحوار

كيف ترى دور الشاعر في العالم الرقمي ( وسائط التواصل\الصور القصيرة\الانطباعات السريعة)؟ وكيف تأخذ القصيدة حقها هناك ؟

منذ سنوات يُقدَّم الشعر في العالم الرقمي من خلال المنتديات الأدبية التي نشطت منذ أكثر من عشرين عامًا، لتخلق مساحات واسعة من التواصل بين المثقفين والشعراء العرب، مما وفّر فرصة للجميع لعرض ونشر نصوصهم، ومن ناحية أخرى لتكوين مجتمع ثقافي عربي متفاعل ومطّلع على التجارب الشعرية هنا وهناك في الوسط الثقافي العربي من المحيط إلى الخليج. كانت هذه المنتديات متخصّصة، أي إنها منتديات ثقافية ولا تنشر أي مواد أخرى، وبالتالي كان هناك نوع من التفاعل النخبوي بين الشعراء أنفسهم.

لكن اليوم، ومع حضور وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة بشكلها الحالي، والتي تحتوي وتضم كيانات معنوية وأفرادًا من مختلف الشرائح الاجتماعية، الثقافية منها وغير ذلك، فإننا نرى أن الشعر في هذه اللحظة خرج إلى الشارع بكل معنى الكلمة؛ حيث الناس يسيرون في اتجاهات مختلفة بسرعة فائقة نحو اللاشيء، فقط التصفّح السريع دون توقّف طويل، وأحيانًا دون كلمات.

بمعنى آخر، تغيّر مفهوم أدوات المعرفة والتعبير عنها لدرجة أنه يمكن أن تعبّر عن رأيك أو موقفك بمجرد إشارة إعجاب أو دعم أو أيقونة قلب صغير… حتى الغضب يُعبَّر عنه بصمت أيقونة ذات وجه حانق.

أصبح الشعر متاحًا في هذا المجتمع الذي تتغيّر مفاهيمه بسرعة هائلة، وتتحوّل رؤيته واتجاهاته بأيادٍ خفية تعطي وتحجب بما يتوافق مع أهدافها التي تنطلق في الأساس من السياسة ومن إرادة التحكم بهذا العالم.

بمعنى صار الشعر بين أقدام المارة، وإذا لم يلحظه أحد فإنه سيداس دون أي انتباه له، والشعر في هذه الحالة أيضًا كمن يضع قطرة ماء عذبة في محيط من الماء المالح.

الأمر بهذه الصعوبة، ومع ذلك يستمر الشعر وينبض، وقد تجده في كلمة بسيطة هنا وهناك؛ لأن الناس مهما اغتربوا عن إنسانيتهم، ومهما تجاهلوا المشاعر والأحاسيس الإنسانية، والصوت الذي في أعماقهم، فإن الشعر سيجدهم في النهاية في الأوقات العصيبة، ليأخذهم إلى لحظة تأمّل طويلة جدًا في معنى الحياة وغاية وجود الإنسان نفسه فيها.

كيف يتعامل شعرك مع الحب المهزوم؟ هل يهجر الحوار أم يستمر في التوسل؟

بالنسبة لي، الحب لا يُهزَم، وهذا ما ستجدينه في رؤيتي الشعرية خلف الكلمات وفي الكلمات نفسها. أنا كائن لا أستطيع العيش دون الحب، ولا أستطيع أن أتخيّل أنه مهزوم أو مُصاب.

من المؤسف حقًّا أن نجد الحب يفقد قيمته في هذا العالم الذي يعلّي من شأن المادة على حساب القيمة العالية للحب التي تُغذّي الإنسان بالسعادة الحقيقية؛ فكل ما يكسبه الإنسان دون الحب لا قيمة له على الإطلاق.

وهذه ليست هزيمة للحب بقدر ما هي هزيمة للإنسان العاجز عن إيجاد طريقه نحو ما يجعله إنسانًا حقًّا.لكن عن أي حب نتحدّث؟

أعن حبٍّ بين امرأة ورجل؟حبٍّ بين إنسان وحيوان أليف؟ حبٍّ بين الإنسان والطبيعة؟ أم حب الإنسان لنفسه؟ في كل هذه الحالات، للحبّ خصائص مختلفة وقيمة مختلفة.لكن الحب الحقيقي يأتي من التفكّر، من حبّ الحقيقة التي لن يجدها أحد، وهذا ما يجعلنا نبدو كمهزومين أمام الإرادة العُليا التي تريدنا أن نتوسّل، لأن التوسّل هنا هو الأداة الوحيدة للتعبير عن الحب الحقيقي.

إذا دُعيت لكتابة قصيدة باستخدام لغة غير لغتك ( مثلا ترجمة مباشرة من لغةٍ أخرى أثناء الكتابة) كيف يتغير الإبداع؟

بالنسبة لي، لم أقُم بشيء مثل هذه التجربة أو شيء يشبهها، لا بشكل ولا بالمضمون.أنا أكتب باللغة العربية التي تمثّل هويتي الأساسية في التعبير والكتابة والقول.في الوقت نفسه، لست ضد الترجمة وأن تُنقَل أعمالي إلى لغات أخرى، ليكون بإمكان القارئ في أي مكان من العالم الاطلاع على تجربتي. وقد سبق وأن ترجم لي عدّة مختارات شعرية إلى الفرنسية والإنجليزية والسويدية،وأيضًا بعض النصوص التي تُرجِمت ضمن أنطولوجيات بالإسبانية والهندية والرومانية والبولندية وغيرها.قد تكون الترجمة وسيلة للحوار والتواصل مع الثقافات الأخرى،ولكنها أيضًا حقل للاكتشاف واستكشاف النصوص الشعرية من خلال المترجم، الذي يضيء في النص جوانب من خلال رؤيته التي تستند إلى اللغة الأخرى التي يُنقَل إليها النص.

هل ترى نفسك شاعراً كلاسيكياً في بنية القصيدة أم مغامراً يبحث عن شكل جديد؟ لماذا؟

بالطبع، لست شاعرًا كلاسيكيًا، فأنا لم أكتب القصيدة للعامودية أو قصيدة التفعيل. انطلقت تجربتي الشعرية من قصيدة النثر كامتداد لشعراء مجلة “شعر” التي أسسها يوسف خال، وأدونيس، وآخرون. أنا أدّعي أنني من هذه المدرسة الشعرية التي لم تلتزم وتعتمد شكلًا معينًا للقصيدة، بل لكل شاعر الحرية في اختيار الشكل أي القالب الشعري الذي سيسكب فيه الكلمات، والتي تحتوي على المضمون، وهو جوهر قصيدة النثر، التي غالبًا لم تعد تعتمد على المواضيع العامة، التي هي بالأصل جزء من الشكل أيضًا، والذي يحدد النوع وربما جنس القصيدة، مثل المديح أو الهجاء إلخ.

ذهبت قصيدة النثر إلى الأعماق نحو الأسئلة الوجودية، وأيضًا إلى اتجاهات مختلفة من السريالية إلى الصوفية، لكن صوفية برؤى مختلفة عن الصوفية التي كنا نعرفها بالماضي. برأيي، الاختلاف القائم بينهما هو تمحور المضمون الشعري في القصيدة النثرية الحداثية حول الإنسان، بينما الصوفية الكلاسيكية تتمحور حول الغيبيات.

أنا شخصيًا أهتم بمضمون القصيدة أكثر من الشكل، وأشتغل على صناعة القصيدة ضمن عمارة لغوية غير متكلفة وعميقة، بحيث من يسقط فيها يشعر أنه يستطيع الوصول إلى قاعها، هناك تبدأ رحلة التأمل. لكني لست مغامرًا بمعنى أنني أقدّم نصًا شعريًا خارج فضاء الحداثة وما بعد الحداثة، إنما أقوم بإمالات طفيفة لعلي أستطيع أن أصل إلى بناء مغاير تمامًا لما هو متعارف عليه شعريًا.

هل تتمنى أن تكون قصائدك أدوات تغيير أو شهادات فقط؟ ومتى يتصادم الشعر مع الواجب الأخلاقي؟

أنا أؤمن أن الشعر ممكن أن يكون مؤثرًا للغاية في النفس البشرية، وبالتالي لديه القدرة على ذلك التغير غير المباشر.وأحيانًا يكون شاهدًا، بمعنى أنه يوثق بطريقته الأحداث التي تدور حول الشاعر، وربما يلتقط تفاصيل الحياة اليومية ليضعها ضمن مزهرية الكلمات التي يفوح منها أريج المعنى.لكن الشاعر ليس ناسكًا أو ما شابه ذلك، بل هو إنسان يعيش حياته ويعبّر من خلال نصوصه عن تجربته الحياتية أو تأملاته في الإنسان والوجود. وقد يحمل تشوّهات أخلاقية تنعكس في نصوصه كما في حياته اليومية. باختصار، الشاعر هو إنسان هش تغريه أي امرأة، ويمكن لأي كان كسره، ويخضع بسهولة لحزنه.لذلك أقول: نحن نكتب للذين بإمكانهم تغيير العالم.لكن نحن لا نريد تغيير آرائهم أو مواقفهم، يكفي أن نؤثر في التفاصيل الصغيرة في حساسيتهم تجاه الأشياء وطريقتهم في النظر إليها.

كيف يتبدل شكل القصيدة حين تُعاد قراءتها بعد عشر سنوات؟ هل تخونها الذاكرة أم تنقذها؟

الزمن يغير كثيرًا من الأشياء فينا ومن حولنا، ويؤثر في نظرتنا للأشياء ولأنفسنا. وفي بعض الأحيان يحصل تغير جذري. من هذا المنطلق، أعتقد أن نظرتي لنصوصي، أو لبعضها، قد تغيّرت تمامًا. فالآن أنظر إلى النصوص التي كتبتها قبل عقد من الزمن بعين الناقد، وأيضًا بشغف الذكريات التي تنتمي إليها تلك القصيدة. من ناحية، أجد بعض نصوصي القديمة تتجاوز كونها مرتبطة بذكرى لتصبح نصوصًا شعرية أعتز بها، وبعض النصوص أسأل نفسي اليوم: لماذا نشرتها، بل لماذا كتبتها من الأصل؟ يقف الشاعر بين الماضي والحاضر الذي ينتمي إليهما بدهشة، متسائلًا: هل هذا ما كنته؟ وهل هذا ما أنا عليه الآن حقًا؟ دون البحث عن الإجابة الحاسمة، فالشعر ليس مجرد كلمات، إنه سيرة حياة كاملة.

إلى أي حد تؤمن بأن لفظة واحدة قادرة على أن تغيّر مصير قصيدة؟ أعط مثالاً؟

في حقيقة، لا أؤمن أن لفظة واحدة تستطيع أن تغيّر مصير قصيدة، ولا أؤمن حتى أن جميع الألفاظ تستطيع تغيّر مصير القصيدة. إنما ما يغيّر مصير القصيدة هو الشيء الكائن خلف الألفاظ، وخلف الشكل، وخلف المضامين. فحتى لو قلت لشخص ما “أحبك”، هذا اللفظ لن يغيّر شيئًا إن لم يكن ما خلفه أعمق منه بكثير كلفظ، أعمق من كونه مجرد قول. بالتالي، ما يغيّر مصير القصيدة هو القدرة على خلق روح فيها من المشاعر والأحاسيس الإنسانية العميقة، التي تبعث الحياة في الألفاظ والمعاني والمضامين. وإلا، سنكون أمام قصيدة جثة مهما كانت ألفاظها بليغة ومؤدية للفكرة ومعبرة عن المضمون.

ما الذي يغيرك كشاعر أكثر : الخيبة أم المفاجأة ؟ ولماذا؟

في بداياتي، كان للمفاجأة أثر كبير على شخصيتي الشعرية وعلى انفعالاتي التي تظهر فيها. في مراحل لاحقة، أصبحت الخيبات هي التي تشكل رؤيتي الشعرية، بمعنى أنها دافع للكتابة. أما اليوم، وبعد كل المراحل التي يمكن أن نسميها عابرة، استقر مع الخذلان الذي حولني إلى شجرة يابسة، تنتظر فأسًا يحوّلها إلى حطَب في مواقد الناس. لكن، لا بأس من الجميل أن أكون كإنسان و قبل أن أكون كشاعر مصدرًا للدّفء.

*كاتبة و ناقدة لبنانية

نقلا عن جريدة اللواء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى