نصر الدين العسالي… حين تصبح اللوحة دربًا لمقاومة العتمة

نصر الدين العسالي… حين تصبح اللوحة دربًا لمقاومة العتمة
البشير عبيد / تونس*
ليس الفن ترفًا عابرًا في حياة الإنسان، ولا هو مجرد انعكاس جمالي لواقعٍ قائم، بل هو في جوهره محاولة دؤوبة لإعادة صياغة هذا الواقع، أو على الأقل، لتخفيف وطأته على الروح. في الأزمنة التي تتكاثر فيها الشقوق داخل المعنى، ويتسع فيها الفراغ بين الإنسان وعالمه، تصبح اللوحة أكثر من مجرد سطحٍ ملون؛ تغدو ملاذًا، واحتجاجًا صامتًا، ونداءً خفيًا نحو استعادة التوازن المفقود. من هذا الأفق يمكن الاقتراب من تجربة الفنان التشكيلي التونسي نصر الدين العسالي، لا بوصفها تجربة فردية معزولة، بل باعتبارها أحد تلك الدروب المضيئة التي يشقها الفن في عتمة العالم.
في أعمال العسالي، لا يواجه المتلقي لوحات مكتملة المعنى بقدر ما يدخل في تجربة بصرية مفتوحة، تتداخل فيها الطبقات وتتشابك الإشارات. ثمة اشتغال واضح على التقنية، لكن هذه التقنية لا تُعرض كمهارة باردة، بل كجسرٍ نحو إحساس أعمق. اللون عنده ليس اختيارًا اعتباطيًا، بل موقفٌ جمالي، والضوء ليس مجرد عنصر تكويني، بل كاشفٌ داخلي لما يتوارى خلف الظلال. أما التوازن داخل اللوحة، فهو أقرب إلى حوارٍ خفي بين عناصر متوترة، تبحث عن انسجام لا يُمنح بسهولة.
ما يثير الانتباه في هذه التجربة أن صاحبها لم يأتِ من المسارات الأكاديمية الكلاسيكية للفن، ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، تبدو أعماله متحررة من القوالب الجاهزة، ومن الانضباط المدرسي الذي قد يُطفئ أحيانًا شرارة الاكتشاف. هنا، يتحول النقص الظاهري إلى قوة خفية، وتغدو التجربة الذاتية، بما تحمله من حدس وتراكم وتأمل، مصدرًا حقيقيًا للخلق.
غير أن البعد التقني، على أهميته، لا يمثل سوى المدخل إلى عالم أوسع. فلوحات العسالي تنفتح على فضاءٍ روحي كثيف، حيث لا يعود الإنسان كائنًا يوميًا عالقًا في تفاصيله الصغيرة، بل يصبح كائنًا حالمًا، تائهًا، ساعيًا نحو معنى يتجاوز حدود الواقع المباشر. في هذا السياق، يمكن قراءة أعماله بوصفها محاولة مستمرة للانفلات من ثقل اليومي، ومن انكساراته المتكررة، نحو أفقٍ أكثر رحابة، حيث تتصالح الذات مع هشاشتها، دون أن تستسلم لها.
لكن هذا الهروب الظاهري من الواقع لا يعني القطيعة معه، بل على العكس، يكشف عن علاقة أكثر تعقيدًا. فاللوحة عند العسالي، بقدر ما تغرق في الجمال، تظل مشدودة إلى واقعٍ مثقل بالتشوهات. إنها لا تنكر هذا الواقع، بل تواجهه بطريقتها الخاصة: عبر إعادة تشكيله، وتفكيك قسوته، وتحويله إلى مادة قابلة للتأمل. هنا، لا يعود الجمال ترفًا، بل يصبح فعل مقاومة؛ مقاومة للرداءة، للابتذال، وللانحدار الذي يهدد المعنى في العمق.
في هذا المستوى تحديدًا، تكتسب تجربة العسالي خصوصيتها. فهو لا يقدّم خطابًا مباشرًا، ولا ينخرط في الشعارات، بل يختار طريقًا أكثر وعورة: طريق الإيحاء. لوحاته لا تقول، بل تلمّح؛ لا تفسّر، بل تفتح. وهذا ما يجعل المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي. إنك أمام عمل فني يطلب منك أن تتأنى، أن تتورط، أن تعيد النظر، وأن تقبل بعدم الوصول إلى يقين نهائي.
ولعل هذا ما يفسر تلك العلاقة الخفية بين لوحاته وعالم الشعر. فكما أن القصيدة الحديثة لا تُفصح عن نفسها دفعة واحدة، بل تُراوغ القارئ وتستدرجه، كذلك تفعل أعمال العسالي. ثمة اقتصاد في المعنى الظاهر، يقابله فيض في الدلالة الممكنة. الرموز لا تُقدَّم كمفاتيح جاهزة، بل كأبواب مفتوحة على احتمالات متعددة. من هنا، يمكن القول إن العسالي يرسم كما لو أنه يكتب قصيدة، أو ربما يكتب قصيدة، لكن بأدوات اللون والضوء والظل.
تتجلى هذه الخاصية بوضوح في بعض أعماله التي تستلهم قضايا إنسانية كبرى. فحين يتناول موضوعًا مثل فلسطين، لا يسقط في المباشرة أو الخطابية، بل ينسج فضاءً بصريًا مشحونًا بالإحالة، حيث تتداخل الذاكرة بالألم، ويصبح الرمز أكثر قدرة على التعبير من أي تصريح. وكذلك الأمر في لوحات تستحضر مأساة الهجرة أو الحروب، حيث لا تُختزل التجربة في حدثٍ تاريخي، بل ترتقي إلى مستوى الإحساس الإنساني المشترك.
من هنا، لا تبدو تجربة نصر الدين العسالي مجرد إضافة إلى المشهد التشكيلي، بل أشبه بصوتٍ خاص، يسعى إلى أن يجد مكانه خارج التصنيفات الجاهزة. هو لا يشبه أحدًا بشكل مباشر، وربما لا يرغب في ذلك أصلًا. فالأصالة هنا لا تُبنى على القطيعة مع الآخرين بقدر ما تُبنى على الإنصات العميق للذات، وعلى الجرأة في تحويل هذا الإنصات إلى أثر مرئي.
إننا، ونحن نتأمل هذه التجربة، لا نقف فقط أمام فنانٍ يشتغل على أدواته بإتقان، بل أمام رؤية ترى في الفن إمكانية للنجاة. في عالمٍ يزداد صخبًا وفوضى، تظل مثل هذه الأعمال بمثابة فسحات للتأمل، ومساحات لاستعادة شيء من الصفاء الداخلي. وربما في هذا تحديدًا تكمن قيمة الفن: لا في قدرته على تغيير العالم بشكل مباشر، بل في قدرته على تغيير نظرتنا إليه.
ضمن هذا الأفق، يمكن القول إن تجربة العسالي تمثل بالفعل أحد تلك “الدروب المضيئة” التي لا تلغي العتمة، لكنها تجعل المرور عبرها أقل قسوة. دروب لا تعد بالخلاص الكامل، لكنها تفتح كوة صغيرة في جدار الواقع، تسمح بدخول بعض الضوء. وهذا، في زمنٍ كهذا، ليس بالأمر القليل.
ولعل ما يمنح هذه القراءة معناها المضاعف، أنها كُتبت على هامش معرض للفنان نصر الدين العسالي احتضنه رواق علي القرماسي بقلب العاصمة التونسية، وتواصل إلى غاية الثالث من أفريل / أبريل 2027. هناك، لم تكن اللوحات مجرد أعمال معلّقة على الجدران، بل كانت شذرات من روحٍ قلقة تبحث عن اتساعها، وتدعونا، نحن أيضًا، إلى إعادة النظر في علاقتنا بالفن، وبالعالم، وبأنفسنا. ومن تلك اللحظة العابرة في الزمن، وُلد هذا التأمل، ليبقى أثرها ممتدًا خارج حدود المناسبة، نحو أفقٍ أرحب، حيث يلتقي الجمال بالمعنى، ويصير الفن دربًا من دروب الضوء.






