أدب وفن

الآباء نعمة …/قصة قصيرة/ بقلم الكاتبة شادية جباعي

الآباء نعمة🙏
مقعده ملّ منه… وهو لم يملّ الإنتظااااار…. عينه لا يرفّ لها جفن… تحدّق وتحدّق في ذاك الممر المؤدّي إلى بوّابة الدّخول…. ذاكرته تعيد اليه تفاصيل وأحداثًا عديدة…. منها المؤلم، والمحزن… ومنها المفرح والمضحك… ولكنّ أكثر ما أبكاه منها أنّه يومًا…. أجلس والده على نفس هذا المقعد، واعدًا إيّاه أنّه لن يتأخّر عن زيارته، لتأمين حاجاته ومتطلّباته، والعمل دائمًا لإسعاده والسّهر على راحته….
مرّت الأعوام ووالده لا يزال ينتظر قدومه لرؤيته وللاطمئنان عنه…. أحسّ بغربة كبيرة، ووحدة، ووحشة….. وراحت تراوده تساؤلات عديدة: “هل كنتُ أبًا قاسيًا مع ولدي؟ أأستحقّ منه هذه المعاملة السّيّئة؟ ألهذه الدّرجة يحتقرني ويكرهني ؟! وأحفادي ألا يتمنّون رؤيتي؟ ليتني أستطيع فهمه!” ….
مات الوالد وماتت معه أمنياته وآهاته بموت ضمائر وقلوب بعض الأبناء…. مات الوالد ولم يحظَ على إجابة واحدة عن تلك التّساؤلات….
وها هو الماضي يعيد ذاته….. فالحفيد أتى بوالده إلى نفس المكان وأجلس والده على ذات المقعد وطمأنه أنّه سيعود إليه….. كم كانت كلماته تشبه كلمات ردّدها هو سابقًا على مسمع والده!!… وابنه يعيدها أمامه… هو يعرف أنّ من يُؤتى به إلى هذا المكان، يموت في اليوم آلاف المرّات…. يُدفن حيًّا قبل أن يسلّم الرّوح!…. “كيف طاوعني قلبي وأتيت بوالدي إلى هنا؟ كيف لم يُؤنّبني ضميري ولم تخزّ لحمي إبر توقظني من غفلتي؟!…. لن أغفر لنفسي أبدًا، ليتني أستطيع تقبيل يديه وقدميه وطلب السّماح منه والاعتذار إليه عمّا اقترفت يداي من جرم بحقّه!!”… دموعه غطّت وجهه….
وإذا بفتاة صغيرة تقترب منه تمسح دموع الخيبة والألم عن عينيه، وما إن فتحهما حتّى رأى أمامه من كان ينتظره منذ سنوات….. ابنه الذي طالما حلم برؤيته مجدّدًا! ومعه حفيدته البنت الجميلة…..
كان عناقا حارًا ممزوجًا بالفرح والألم….. الفرح لأنّ ولده لم يتركه بل عاد إليه… والألم لأنّه لم يقم بهذه الخطوة مع والده وأنجاه من قلق الانتظار…نظر إلى حفيدته نظرة تفاؤل وأمل، فبادرته قائلة: “سنأخذك معنا يا جدّاه، ولا تخف بعد اليوم فأقدام عائلتنا ستنسى الدّروب المؤدّية إلى أيّ دار للعجزة” ……

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى