أدب وفن

الشاعرة حكمت حسن تقرأ بين سطور “الكوجيطو المجروح -اسئلة الهوية ” للدكتور فتحي المسكيني

الكوجيطو المجروح-أسئلة الهوية
د.فتحي المسكيني

القدرة الحرة للأنا
النفحة الثوروية في هذا الكتاب حية ومستمرة وشعلتها ستخلد من يدك د. فتحي المسكيني إلى يد كل قارىء أو باحث أو مناضل من أجل الثورة الهووية للإنسان في هذا الكون.
ويعرف المؤلف الفيلسوف الدكتور فتحي المسكيني
الهوية، فهي اختراع أخلاقي خطير، طورته كل الثقافات ، وبخاصة تلك التي لم تعد تملك أي كنز خلفي أو مخزون احتياطي لنفسها غير حراسة الانتماء بواسطة الذاكرة الممنوعة من التفكير، وليست حماية المقدسات غير العنوان العامي لها، ص :١٢ .كذلك فان الدولة سوف تواصل دون أي انزعاج خاص أو حرج يذكر ، إقامة المآدب الهووية في كل ساحات المواطنة، محولة صدفة الجغرافيا إلى تاريخ مغلق لنفسها . ص :١٢
الدولة-الهوية تغلق جغرافيتها وتاريخيتها على توسع الفكر الضروري ليتطور الكائن فينا.فإن ناقشنا الفكر نتحرر.ويجد د. فتحي أن الأخلاق هي هذا الكوجيطو المجروح الذي صار يتداوى بثقافة التأثيم. لانه بات عاجزا من الداخل عن أي نوع من التشريع الروحي الجديد لنفسه المقبلة.وهذا يعد خطوة مهيّئة لبناء الفكر ودحض صرح،
هوية جاهزة-ذاكرة عملاقة للانتماء ، سنشفى منها او نحاول على الأقل حسب فتحي المسكيني بتمارين مؤلمة في النسيان ص:١٣. وأسأله هناهل تجربة الكتابة لا إرادية ؟ كونها ستخدم حتما هدف الهروب من معالم هوية جاهزة؟ ام أن الكتابة فعل إرادي هدفه خلق عالم يسود فيه الفرد ويسقط عنه كل صفات عالقة في ذاكرته عبر التكرار؟ ومتى يجابه الانسان وكيف إن هو حاز على وعي كاف لمراجعة اطر هويته؟ أسئلة برسم الفكر الجديد.
(ريكور )يقر بأن معنى ( أنا )هو معنى فريد في كل مرة، بمعنى أننا يجب أن ننظر إلى أنفسنا دوما على أننا حدث محض ومفتوح وليس بنية جاهزة نتكلمها أو نصمت. ص :١٤ .
(هابرماس) ترصد الفعل الاقتصادي الاجتماعي للهوية، : إن المطلوب هو فلسفة قادرة على إيضاح الأساس المعياري للفعل الإجتماعي، والاشتغال على قضايا أخلاقية عملية تواصلية بوصفها علاقات إنتاج من نوع جديد ، وليست بنى فوقية لوعي زائف. ص١٤
(الجابري): اخترع فكرة العقل العربي، أي أخرج إلى العلن عنوان هووي غير مسبوق ،ص١٦.وبرأيي أن يسعى مفكر إلى تبيان خصائص العقل العربي والذي يخرجنا من استهلاك الهوية إلى إنتاجها ، وعلى الرغم من ضرورته ،قد يوقعنا كذلك في صورة جامدة قد تصبح هي الأخرى برقعا يحجبنا عن -السؤال- عن -الأنا- وبالتالي قد يعطل ذاكرتنا عن التفكير لمدة طويلة ، كما فعلت( العصائد اللاهوتية، ما منع الناشئة من الانتماء الكوني إلى ثقافة الكوجيطو التي هي مكسب حديث )، حسب تعبير الدكتور فتحي، الذي يوضح (أن هذه التحقيقات الهووية المعاصرة ، ستعود إلينا آخرية كأشد ما يكون، فليس في جبة الذات غير كل الآخرين الذين كنا أو سنكون، سكّر الكينونة الذي ينضاف ألى تربة الروح مع كل وجع بشري يعترينا من الداخل… فمن يفكر يستعمل كل العقول التي عرفها، كقطعة من نفسه. … فالفكر محبة) . ص:١٧
وما يبعث على الأثارة الفكرية تعابير د. فتحي الفلسفية الثوروية ، فهو يقول : ان الفلسفة هي فن السؤال عن معنى كل أشكال التعالي على حدود عقولنا الطبيعية، وبما أن حدود العقل تتخطى المعطيات الحسية، وبالتالي فإن العقل لديه القدرة على تجاوز طبيعته البشرية ، ص :٢٠ .وهو بذلك يبحر بنا نحو حرية كونية ، فكلما اتسع نطاق العقل اتسعت كونيته . وأسأله هنا :لم لا يشعر الكون بالضخامة أمام الانسان ؟ ولا يكون الأمر كما يعبر د. فتحي أن الانسان يشعر بالألم الكبير بسبب ضآلته أمام الكون.وبالتالي يكون د. فتحي قد وقع في ما نبه له ومنه في مقدمته، بأن اي هوية ينتج عنها مظلة تغلف العقل ولفرط تكرارها يتبناها ويعتبرها منه . حيث يؤكد ان تقنيات الرحاء ( صنوف الاعتقاد والايمان والتقديس..) هي تقنيات صحية لطبيعتنا البشرية؟! في حين يعبر في مكان آخر بأروع تفسير ممكن لأصل وجودنا 🙁 الدين) نمط الطاعة القائم على دَين أصلي وهنا أخالفه ببقية الجملة( دَين أضلي لا يمكن تسديده أبدا) يعني اعتبار الوجود دَينا وليس ذنبا ، ومن ثم امانة أو إعارة علينا أن نؤديها بشكل لائق. ص:٢١
الدين يقول د. فتحي: احدى تقنيات الرجاء التي بناها العقل كحلول ، واستمرت تراكم معياري طويل الأمد… وقد يطور النوع البشري تقنيات رجاء لا يمكن تصورها منذ الآن.ص:٢٢ وهنا أسأل د. فتحي: هل نبني معايير أخرى في مجال محايث جديد من دون التطرق ألى السائد حاليا( الدين، أي دين) ويالتالي قد نكون عندها بصدد افتتاح مسارات جديدة يحررها العقل لنا حالما نحرره؟ ويشترط د. فتحي : الشرط الأساس هو تحرير الدين من الاستبداد الرعوي للمعنى.
مع (كانط) نعرف مصطلح( العقل المشترك بين البشر او الكائنات) وما كان نعمة دينية تحول إلى استحقاق أخلاقي خاص بنوع الكائنات العاقلة.والانسانية غاية في ذاتها تبعا لكانط أيضا.وفي ص: ٣٠ يقول : لا مستقبل للدين إلا إذا نجح في التحول إلى عقيدة عملية محضة.
ويخصنا كانط بروائع تفسيراته في معرض نقاشه للانسانية فيقول لا يليق بالانسانية أن تبني رجاءها على الخوف أو الخضوع لسلطة خارجة عن طبيعتها، أما كيف نحرر هذا الخوف من سلبيته؟ الجواب يقول د. فتحي: بتحويل الخوف إلى شعور باطني بالاحترام المحض الذي لا ينتظر شيئا إلا من ذاته. وهذا ما يسميه كانط: المسلمة الحقيقية الأخلاقية لسلوكنا التي تليق بمنزلة الكائنات العاقلة.ص:٣٩.
ويكمل كانط: الحرية هي قدرة عقولنا على التشريع الكلي ، حيث يمكن الدخول في علاقة مع فكرة من قبيل الإله . ص٤٥ ما هو الرجاء تبعا لكانط؟ هو السعي المستمر وراء الامتثال الدقيق والمتواصل لأمر من العقل …بالنسبة إلى كائن عاقل ، إنما متناه، ليس باستطاعته الا التقدم نحو اللاتناهي.هذا الرجاء لا هو ديني ولا علماني إنما هو أخلاقي تحت قلم كانط. ص:٥٢ وبالتوازي يصرح د. فتحي: مهمة الفلسفة هي حماية قدرة البشري على الأمل في التقدم نحو الافضل أخلاقيا ….أي اكتساب معنى الخلود. هنا أصبح الخلود تقنية رجاء…ليس لأنه تدين إلى إله خالق للطبيعة بل لأن الخلود افتراض ضروري للتفكير في تحقيق أي تقدم أخلاقي للانسانية. ص:٥٣. مع كانط يكمل فتحي: تم استرجاع فكرة الأله وتحريرها من السرديات التي فرضت عليها من طرف الديانات العالمية، حيث ظلت فكرة الإله سجينة استعمال أداتي صرف كجهاز لتبرير لاخطاء الانسان او تناهيه او عجزه عن الخلود الشخصي من خلال وظيفة الوعد الاخروي.. السؤال المهم هنا: لم تغير شأن الانسانية من وعي لذاتها الانسانية والتي أنتجت فكرة الإله ونصبته هدفا لتحقيق ما هو خير للبشرية جمعاء؟ لم تردى وضع الفكر ليصبح مسلوبا من قبل هيئات لا سبيل إلى الفكاك منها ، والتي جعلت الإله معطى ما فوق أخلاقي والإيمان به أصبح سطحيا ، يعتمد على مسلمة عدم التفكير والشعور به بتعال لا جرأة على التفكير بتحقيقها سواء آمنا أم تقاعسنا عن التسليم بقدراتنا العقلية المتاحة . ويحيلنا إلى المقولة التالية: إن المؤمن ليس بطلا بل هو كائن قادر على الرجاء. ص٦٠وتبعا لكانط يطرح د. فتحي النتيجة التالية: لا بكون وجود الله خيرا أسمى إلا عندما نكف عن معاملته كوسيلة لاهوتية لبناء الجموع المؤمنة بما لا تعرفه كأنها تعرفه، وإعادته إلى إرادتنا بوصفه موضوعا داخليا لذواتنا الحرة. ص:٧٥.
أما حريتنا فنحن ( نعرفها) لأنها حسب د. فتحي هي ليست مشكلا نظريا ، فهي إثبات بلا مضمون ، كل حرية هي حركة باتجاه قدرة ما على الحرية . فالبشر يتبادلون إمكانات الحرية. بعبارة عامة يكمل د. فتحي: كل ما لا يمكننا معرفته لا معنى له ولا جدوى منه إلا بقدر ما يساعد عقولنا البشرية على تمثل فكرة الحرية.ص:٧٧ .
أما عن( نيتشة) ومعه: يردد د. فتحي مع نيتشه أن التأويل هو فن القوس المشدودة التي يعلم المرء كيف يذهب إلى أبعد من نفسه ، إذا هو فن التغلب على النفس ، تلك النفس التي ورثها وراثة ولم يشارك في صنعها حتى الآن، وقد انقلبت إلى أن تصبح حجر عثرة. وأسأله هنا: نولد ونفسنا ملتصقة بولادتنا ، لكن ألا يكون السؤال هنا : ألسنا حين نفكر نملأ هذه النفس بما نريده لها؟ ليست النفس معطى مملوء ومقفل ، إنها تتشكل بحسب قدرتنا على تفكير يقلب منظومة من المفاهيم ورثناها في العمق وليست معطى مكوِّن بل مكوَّن تبعا لما نريده وبحسب ما نتجه إليه بتفكيرنا؟ وفي قول يختصر مفهوم التأويل لدى نيتشه، يورد د. فتحي هذا القول تأولا لمقولات نيتشه في التأويل؛ ثمة تأويلات بقدر ما ثمة لحظات في وجودنا. ص:٩٨.
ويشير د. فتحي إلى فلسفة مرلو-بونتي، ففي فلسفته نقع على فكرة لامعة : اول خطوة ركز عليها (بونتي )هو تحرير الجسد من الشيئية التي تلبسه إياها العلوم الحديثة، فيقول: الجسد ليس -في-العالم، بل هو تجربة عاام حيث يتداخل الرائي والمرئي.
ص١١١ وحسب( مرلو بونتي): دون ما أسماه بفلسفة اللحم ، ستكون ترجمة الآخر اعتداء’سافر على عالمه، بقدر ما هي إساءة حمقاء إلى أنفسنا. … فنحن لا نستطيع أن نقابل الآخرين إلا في أجسادنا. ولذلك فإن المطلوب ليس إيجاد مخرج لحل إشكال الآخر بل هو تغيير الإشكال. ص:١١٨
أما (دولوز) فيعتبر ان اللاوعي هو ورشة الرغبة من حيث هي مسرح الأسئلة والمشاكل. …لذلك ليست الأسئلة أفعالا تأملية مؤقتة حتى ننتصر على جهلنا بشكل تجريبي، بل هي أفعال حية تستثمر المواضيع الخصوصية للاوعي. ويبين دولوز أن الفكر ليس فطريا ولا مكتسبا بل هو تناسلي، يتكون في حضن أنا دوما مصدوعة.ص:١٤٣ .ويكمل: ما هو الفكر الذي لا يسيء إلى أحد، لا إلى من يفكر، ولا إلى الآخرين؟ الفكر نوع من الإساءة وذلك لسبب طريف، هو أنه لا يفكر بشكل حر إلا حين يتمرد على ما هو هووي وتمثيلي. ص١٤٤
ويحرر د. فتحي تعريفا للحوار ، فيقول: ليس الحوار مراجعة لأقوال متباينة او متشابهة، بل هو محارة أي رجوع إلى المكان الأول للمعنى، وبهذا يكون الفيلسوف حَواريا ، أي ناصحا حميما وناصرا لما هو مهدد ووحيد وفريد ، أي لما هو موضوع حيرة وحَور عن محوره الأصلي . …فمعنى الأنا لا يبدأ بالظهور إلا متى دخل في حوار جذري حول ما يختبىء تحت أقدامه من رغبات لا واعية ، إن الحوار يعلمنا أن الطريق إلى معرفة أنفسنا هي الطريق الأطول .ص١٧٣
وحين يتناول د. فتحي مسيرة جبران نحو الجنون يقول: ان العقل لا يتحرر من الخارج، وليس ثمة قوة تنوره بواسطة عقل آخر غريب عنه ، لا يتحرر عقل إلا بواسطة جنونه الخاص.ص:١٩٢.

إن ثوروية فكر د. فتحي المسكيني هي دعوة الفلسفة إلى التفلسف الحي، وتأكيده على أن تحويل الفلسفة إلى قراءة للتراث هو فشل منهجي للفلسفة بل عجزها السافر. ص:٢٠٩
إن التفكير هو القوة و عندها يصبح -السؤال- من دون مظلة فوقه أو براقع.

حكمت حسن/شاعرة و ناقدة

البنية /٢٩-٨-٢٠٢٠

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى