أدب وفن

إبحار على متن القصيد / د. عماد يونس فغالي يقرأ في نصين للشاعرة فاتن الحسيني

في عمق زاويتي..
فنجان قهوتي..
حزن ارتشفه على مهل..
واقلبه في يدي..
لآخر قطرة..
ذكرى زاوية لا تنمحي..
هناك حيث كانت أحاديثنا لهفة..
وكانت ضحكاتنا حقيقة..
حين أطلّ وجهك مبتسمًا ذات شتاء..
في ركن مقهى انتظرتك..
حيث أتيتَني..
بالحب..
وذات زمن.. بقي الركن..
والفنجان..
وبقيت ابتسامة بلهاء على شفتي..
ورحلت.. انت.

زمنان وأنتِ

هل انقسم الزمن اثنين، أم انقسمت الكاتبةُ في الزمن الواحد على امتدادٍ مختلف؟ معروفٌ أنّ الزمن يتغيّر، لكنّ الواقع، وكما تُظهره فاتن في النصّ، أنّ الزمن مرور وقت، والحالة فيه تبدّلتْ، وتغيّر موقف الأشخاص!
وتدخلُ الكاتبةُ السياقَ شخصيّةً فيه، كأن تروي قصّتَها مقحِمةً الزمنَ طرفًا… وأفلحتْ. مشهدان متشابهان: هي وفنجان قهوتها وابتسامةٌ وحبّ. تتبدّل المواقعُ فقط، من زاويةٍ كان السحرُ يملأها، إلى “ذكرى… لا تنمحي”. وفعلان ضدّان قلَبا المقاييس القلبيّة، وعتّما الألوان: “حين أطلّ وجهُكَ… ورحلتَ أنت”.
بنيةٌ نصيّة متوازية، مرّ بها “الزمن” على الحبّ، فرسم لوحتين، كلاهما جميلة، الأولى في الفرح: “أحاديثُنا لهفة… ضحكاتُنا حقيقة…والثانية الحزنُ، الهراء: “ابتسامة بلهاء”… خفتت الألوانُ، تعكسُ مآل الحبّ، عفوًا، تداعيات ارتحال الحبيب… ومعاناة الحبّ الأصيل…
معادلةُ الزمن المنقسم، ذروةٌ في الانزياح النصيّ تبريرَ انزياح العاطفة الجامحة… زمنٌ واحد وشخصيّة واحدة، لكنّ الحبيبَ المتبدّل قسَم المشهدَ والسياقَ والمشاعر… فتبدّت المشهديّةُ زمنين وأنتِ… كلّ الجمال!!

لامس قلبي.. اريد ان الامس الروح منك..
اتراني?
انا تلك الشرقية العتيقة..
انا تلك الغجرية التي تقرأ طالع الفجر.. فتراك متسللا مع اول شعاع حياة..
انا.. تلك التي ليست في قواميسك المترعة بالعقل..
انا.. من تريد شغفك المكنون في زيت الفوانيس
الامس ظلك..
واكتفي بالمكوث.. في ظل زمن ..لا يروي ظمأ الصادقين

“أنا”… أسطوريّةُ سياق

تملكُ “أنا” على النصّ. تملكه إلهةً ميثولوجيّة على لسان الكاتبة ملءَ الواقع “أنا تلك الشرقية العتيقة.. أنا تلك الغجرية التي تقرأ طالع الفجر”، والخيال “انا.. من تريد شغفك المكنون في زيت الفوانيس. ألامسُ ظلك.. واكتفي بالمكوث.. في ظل زمن”، في آن!
يحدثُ أنّ الأنا متكلّمة في النصّ، تخاطبُ “أنتَ” ضميرًا متّصلاً، مفعولاً به. الأنتَ شخصيّةٌ ثانويّة غيرُ فاعلة. الحركةُ النصيّة مربوطة فقط بشخص “أنا”، تعرّف بنفسها، تتحرّكُ، تفعل، على امتداد السياق، كأنْ هي السياق. والقارئ أمامَ لوحةٍ ساحرة من ألوانٍ تطبعُ الإطارَ بسحرٍ أنثويٍّ دافقٍ جاذب.
وهي أكثرُ من لوحة. أنتَ أمامَ أسطورةٍ ميثولوجيّة، “أنا” فيها الإلهةُ ربّةُ جمالٍ متجذّرٍ في كينونتها، وإن ظُنّتْ خياليّة أو مفترضة، عانقتْ كلّ حبيبةٍ، علتْ في امتشاقها، سيّدةَ العشق المطلق… “أريد أن ألامسَ الروح منك..” وتتبع الجملةُ الفعليّة السؤال، كفي كلمة واحدة “أتراني”، لتحدّدَ برهانًا وجوديًّا مع “ألامس” على الفعل الحركيّ المتنقّل بين الحاسّةِ واللامحسوس.
وتنتهي الكاتبة إلى قفلةٍ تترك النصّ مفتوحًا “في ظل زمن.. لا يروي ظمأ الصادقين”. زمنٌ تريد أن تقول إنّها تنتمي إليه في حالتيه: هي صادقة، وتصبو إلى ارتواءٍ من صدق، لا يَهديها إليه، فتبدي تذمّرًا مبطّنًا يختم النصّ دون أن يصل خواتيم…
فاتن الحسيني، إن كتبتِ من داخل، فتحتِ القفلةُ طريقَها إلى شخصكِ “أنا” السياق، وارتقى بكِ نحو سموّاتٍ ملءَ الأدب!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى